سورة البقرة كامله

 

في ظلال القرآن


سورة البقرة

 

الم (1)  ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)  والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)  أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6)  خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (7)  وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8)  يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9)  فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) 

 

سورة البقرة مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بسورة البقرة

 1 - نزول السور وترتيبها التوقيفي

هذه السورة من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة . وهي أطول سور القرآن على الإطلاق . والمرجح أن آياتها لم تنزل متوالية كلها حتى اكتملت قبل نزول آيات من سور أخرى ; فمراجعة أسباب نزول بعض آياتها وبعض الآيات من السور المدنية الأخرى - وإن تكن هذه الأسباب ليست قطعية الثبوت - تفيد أن السور المدنية الطوال لم تنزل آياتها كلها متوالية ; إنما كان يحدث أن تنزل آيات من سورة لاحقة قبل استكمال سورة سابقة نزلت مقدماتها ; وأن المعول عليه في ترتيب السور من حيث النزول هو سبق نزول أوائلها - لا جميعها - وفي هذه السورة آيات في أواخر ما نزل من القرآن كأيات الربا , في حين أن الراجح أن مقدماتها كانت من أول ما نزل من القرآن في المدينة .

فأما تجميع آيات كل سورة في السورة , وترتيت هذه الآيات , فهو توقيفي موحى به . . روى الترمذي - بإسناده - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:قلت لعثمان بن عفان:ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين , وقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر:بسم الله الرحمن الرحيم , ووضعتموها في السبع الطوال ? وما حملكم على ذلك ? فقال عثمان:كان رسول الله [ ص ] كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ; فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب , فيقول:" ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " . وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة , وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن ; وكانت قصتها شبيهة بقصتها , وخشيت أنها منها ; وقبض رسول الله [ ص ] ولم يبين لنا أنها منها . فمن أجل ذلك قرنت بينهما , ولم أكتب بينهما سطر:بسم الله الرحمن الرحيم , ووضعتها في السبع الطوال .

فهذه الرواية تبين أن ترتيب الآيات في كل سورة كان بتوقيف من رسول الله [ ص ] وقد روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي [ ص ] أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل . وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي [ ص ] القرآن , وفي رواية فيدارسه القرآن , فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة . ومن الثابت أن رسول الله [ ص ] وقد قرأ القرآن كله على جبريل - عليه السلام - كما أن جبريل قد قرأه عليه . . ومعنى هذا أنهما قرآه مرتبة آياته في سوره .

ومن ثم يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة ! شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس ! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص . ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها ; ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة , تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو . ولها إيقاع موسيقي خاص - إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة . . وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا . ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة .

2 :ملابسات نزول سورة البقرة:وبدايات الهجرة

هذه السورة تضم عدة موضوعات . ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا . . فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة , واستقبالهم لها , ومواجهتهم لرسولها [ ص ] وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها . . . وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة , وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى . . وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها ; وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض , بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها , ونقضهم لعهد الله بخصوصها , وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم - عليه السلام - صاحب الحنيفية الأولى , وتبصير الجماعة المسلمة وتحذيرها من العثرات التي سببت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم . . وكل موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيه الرئيسيين , كما سيجيء في استعراضها التفصيلي .

ولكي يتضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة , وبين خط سير الدعوة أول العهد بالمدينة , وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى . . يحسن أن نلقي ضوءا على مجمل هذه الملابسات التي نزلت آيات السورة لمواجهتها ابتداء . مع التنبيه الدائم إلى أن هذه الملابسات في عمومها هي الملابسات التي ظلت الدعوة الإسلامية وأصحابها يواجهونها - مع اختلاف يسير - على مر العصور وكر الدهور ; من أعدائها وأوليائها على السواء . مما يجعل هذه التوجيهات القرآنية هي دستور هذه الدعوة الخالد ; ويبث في هذه النصوص حياة تتجدد لمواجهة كل عصر وكل طور ; ويرفعها معالم للطريق أمام الأمة المسلمة تهتدي بها في طريقها الطويل الشاق , بين العداوات المتعددة المظاهر المتوحدة الطبيعة . . وهذا هو الإعجاز يتبدى جانب من جوانبه في هذه السمة الثابتة المميزة في كل نص قرآني .

لقد تمت هجرة الرسول [ ص ] إلى المدينة بعد تمهيد ثابت وإعداد محكم . تمت تحت تأثير ظروف حتمت هذه الهجرة ; وجعلتها إجراء ضروريا لسير هذه الدعوة في الخط المرسوم الذي قدره الله لها بتدبيره . . كان موقف قريش العنيد من الدعوة في مكة - وبخاصة بعد وفاة خديجة - رضي الله عنها - وموت أبي طالب كافل النبي وحاميه . . كان هذا الموقف قد انتهى إلى تجميد الدعوة تقريبا في مكة وما حولها . ومع استمرار دخول أفراد في الإسلام على الرغم من جميع الاضطهادات والتدبيرات فإن الدعوة كانت تعتبر قد تجمدت فعلا في مكة وما حولها , بموقف قريش منها , وتحالفهم على حربها بشتى الوسائل , مما جعل بقية العرب تقف موقف التحرز والانتظار , في ارتقاب نتيجة المعركة بين الرسول وعشيرته الأقربين , وعلى رأسهم أبو لهب وعمرو بن هشام وأبو سفيان بن حرب وغيرهم ممن يمتون بصلة القرابة القوية لصاحب الدعوة . وما كان هناك ما يشجع العرب في بيئة قبلية لعلاقات القرابة عندها وزن كبير , على الدخول في عقيدةرجل تقف منه عشيرته هذا الموقف . وبخاصة أن عشيرته هذه هي التي تقوم بسدانة الكعبة , وهي التي تمثل الناحية الدينية في الجزيرة !

ومن ثم كان بحث الرسول [ ص ] عن قاعدة أخرى غير مكة , قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية , ويتاح لها فيها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة . حيث تظفر بحرية الدعوة وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة . . وهذا في تقديري كان هو السبب الأول والأهم للهجرة .

ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب , لتكون قاعدة للدعوة الجديدة , عدة اتجاهات . . سبقها الاتجاه إلى الحبشة , حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل . والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية . فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين . غير أن الأمر كان على الضد من هذا , فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا . إنما هاجر رجال ذوو عصبيات , لهم من عصبيتهم - في بيئة قبلية - ما يعصمهم من الأذى , ويحميهم من الفتنة ; وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين , منهم جعفر بن أبي طالب - وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي [ ص ] ومنهم الزبير بن العوام , وعبد الرحمن ابن عوف , وأبو سلمة المخزومي , وعثمان بن عفان الأموي . . . . وغيرهم . وهاجرت نساء كذلك من أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا . . وربما كان وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة في قريش ; وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم , فرارا من الجاهلية , تاركين وراءهم كل وشائج القربى , في بيئة قبلية تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا ; وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة , بنت أبي سفيان , زعيم الجاهلية , وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها . . ولكن مثل هذه الأسباب لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة , أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة . وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة . ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهاره نهائيا إلا ثورة البطارقة عليه , كما ورد في روايات صحيحة .

كذلك يبدو اتجاه الرسول [ ص ] إلى الطائف محاولة أخرى لإيجاد قاعدة حرة أو آمنة على الأقل للدعوة . . وهي محاولة لم تكلل بالنجاح لأن كبراء ثقيف استقبلوا رسول الله [ ص ] أسوأ استقبال , وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم يرجمونه بالحجارة , حتى أدموا قدميه الشريفتين , ولم يتركوه حتى آوى إلى حائط [ أي حديقة ] لعتبة وشيبة إبني ربيعة . . وهناك انطلق لسانه بذلك الدعاء الخالص العميق:" اللهم أشكو إليك ضعف قوتي , وقلة حيلتي , وهواني على الناس . يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي . إلى من تكلني ? إلى عدو ملكته أمري ! أم بعيد يتجهمني ? إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي . ولكن عافيتك أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات , وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة , أن تنزل بي غضبك , أو تحل علي سخطك . لك العتبى حتى ترضى , ولا حول ولا قوة إلا بك " .

بعد ذلك فتح الله على الرسول [ ص ] وعلى الدعوة من حيث لا يحتسب , فكانت بيعة العقبة الأولى , ثم بيعة العقبة الثانية . وهما ذواتا صلة قوية بالموضوع الذي نعالجه في مقدمة هذه السورة , وبالملابسات التي وجدت حول الدعوة في المدينة .

وقصة ذلك في اختصار:أن النبي [ ص ] التقى قبل الهجرة إلى يثرب بسنتين بجماعة من الخزرج في موسم الحج , حيث كان يعرض نفسه ودعوته على الوافدين للحج ; ويطلب حاميا يحميه حتى يبلغ دعوة ربه . وكان سكان يثرب من العرب - الأوس والخزرج - يسمعون من اليهود المقيمين معهم , أن هنالك نبيا قد أطل زمانه ; وكانت يهود تستفتح به على العرب , أي تطلب أن يفتح لهم على يديه , وأن يكون معهم على كل من عداهم . فلما سمع وفد الخزرج دعوة النبي [ ص ] قال بعضهم لبعض:تعلمن والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود , فلا تسبقنكم إليه . . وأجابوه لما دعاهم . وقالوا له:إننا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم . فعسى الله أن يجمعهم بك . . ولما عادوا إلى قومهم , وعرضوا الأمر عليهم , ارتاحوا له , ووافقوا عليه .

فلما كان العام التالي وافى الموسم جماعة من الأوس والخزرج , فالتقوا بالنبي [ ص ] وبايعوه على الإسلام . وقد أرسل معهم من يعلمهم أمر دينهم .

وفي الموسم التالي وفد عليه جماعة كبيرة من الأوس والخزرج كذلك , فطلبوا أن يبايعوه , وتمت البيعة بحضور العباس عم النبي [ ص ] على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم . وتسمى هذه البيعة الثانية بيعة العقبة الكبرى . . ومما وردت به الروايات في هذه البيعة ما قاله محمد بن كعب القرظي:قال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - لرسول الله [ ص ] يعني ليلة العقبة:اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال:" اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ; واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " . قال:فما لنا إذا فعلنا ذلك ? قال:" الجنة " . قالوا:ربح البيع ولا نقيل ولا نستقبل !

وهكذا أخذوا الأمر بقوة . . ومن ثم فشا الإسلام في المدينة , حتى لم يبق فيها بيت لم يدخله الإسلام . وأخذ المسلمون في مكة يهاجرون إلى المدينة تباعا , تاركين وراءهم كل شيء , ناجين بعقيدتهم وحدها , حيث لقوا من إخوانهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم , من الإيثار والإخاء ما لم تعرف له الإنسانية نظيرا قط . ثم هاجر رسول الله [ ص ] وصاحبه الصديق . هاجر إلى القاعدة الحرة القوية الآمنة التي بحث عنها من قبل طويلا . . وقامت الدولة الإسلامية في هذه القاعدة منذ اليوم الأول لهجرة الرسول [ ص ] .

3: الخط الأول في السورة:كشف عداوة اليهود للدعوة الإسلامية وهو إلى نهاية الجزء الأول

من أولئك السابقين من المهاجرين والأنصار تكونت طبقة ممتازة من المسلمين نوه القرآن بها في مواضع كثيرة . وهنا نجد السورة تفتتح بتقرير مقومات الإيمان , وهي تمثل صفة المؤمنين الصادقين إطلاقا . ولكنها أولا تصف ذلك الفريق من المسلمين الذي كان قائما بالمدينة حينذاك: الم ذلك الكتاب لا ريب فيه , هدى للمتقين , الذين يؤمنون بالغيب , ويقيمون الصلاة , ومما رزقناهم ينفقون . والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك , وبالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون . .

ثم نجد بعدها مباشرة في السياق وصفا للكفار ; وهو يمثل مقومات الكفر على الإطلاق . ولكنه أولا وصف مباشر للكفار الذين كانت الدعوة تواجههم حينذاك , سواء في مكة أو فيما حول المدينة ذاتها من طوائف الكفار:(إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم , وعلى أبصارهم غشاوة , ولهم عذاب عظيم). .

كذلك كانت هناك طائفة المنافقين . ووجود هذه الطائفة نشأ مباشرة من الأوضاع التي أنشأتها الهجرة النبوية إلى المدينة في ظروفها التي تمت فيها , والتي أشرنا إليها من قبل ; ولم يكن لها وجود بمكة . فالإسلام في مكة لم تكن له دولة ولم تكن له قوة , بل لم تكن له عصبة يخشاها أهل مكة فينافقونها . على الضد من ذلك كان الإسلام مضطهدا , وكانت الدعوة مطاردة , وكان الذين يغامرون بالانضمام إلى الصف الإسلامي هم المخلصون في عقيدتهم , الذين يؤثرونها على كل شيء ويحتملون في سبيلها كل شيء . فأما في يثرب التي أصبحت منذ اليوم تعرف باسم المدينة - أي مدينة الرسول - فقد أصبح الإسلام قوة يحسب حسابها كل أحد ; ويضطر لمصانعتها كثيرا أو قليلا - وبخاصة بعد غزوة بدر وانتصار المسلمين فيها انتصارا عظيما - وفي مقدمة من كان مضطرا لمصانعتها نفر من الكبراء , دخل أهلهم وشيعتهم في الإسلام وأصبحوا هم ولا بد لهم لكي يحتفظوا بمقامهم الموروث بينهم وبمصالحهم كذلك أن يتظاهروا باعتناق الدين الذي اعتنقه أهلهم وأشياعهم . ومن هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه ملكا عليهم قبيل مقدم الإسلام على المدينة . .

وسنجد في أول السورة وصفا مطولا لهؤلاء المنافقين , ندرك من بعض فقراته أن المعني بهم في الغالب هم أولئك الكبراء الذين أرغموا على التظاهر بالإسلام , ولم ينسوا بعد ترفعهم على جماهير الناس , وتسمية هذه الجماهير بالسفهاء على طريقة العلية المتكبرين !: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . يخادعون الله والذين آمنوا , وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ; ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون . وإذا قيل لهم:لا تفسدوا في الأرض قالوا:إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . وإذا قيل لهم:آمنوا كما آمن الناس قالوا:أنؤمن كما آمن السفهاء ? ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون . وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا , وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا:إنا معكم إنما نحن مستهزؤون . الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون . أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم , وما كانوا مهتدين . مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم , وتركهم في ظلمات لا يبصرون . صم بكم عمي فهم لا يرجعون . أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق , يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت , والله محيط بالكافرين . يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه , وإذا أظلم عليهم قاموا , ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم , إن الله على كل شيء قدير . .

وفي ثنايا هذه الحملة على المنافقين - الذين في قلوبهم مرض - نجد إشارة إلى(شياطينهم). والظاهر من سياق السورة ومن سياق الأحداث في السيرة أنها تعني اليهود , الذين تضمنت السورة حملات شديدة عليهم فيما بعد . أما قصتهم مع الدعوة فنلخصها في هذه السطور القليلة:

لقد كان اليهود هم أول من اصطدم بالدعوة في المدينة ; وكان لهذا الاصطدام أسبابه الكثيرة . . كان لليهود في يثرب مركز ممتاز بسبب أنهم أهل كتاب بين الأميين من العرب - الأوس والخزرج - ومع أن مشركي العرب لم يظهروا ميلا لاعتناق ديانة أهل الكتاب هؤلاء , إلا أنهم كانوا يعدونهم أعلم منهم وأحكم بسبب ما لديهم من كتاب . ثم كان هنالك ظرف موات لليهود فيما بين الأوس والخزرج من فرقة وخصام - وهي البيئة التي يجد اليهود دائما لهم فيها عملا ! - فلما أن جاء الإسلام سلبهم هذه المزايا جميعا . . فلقد جاء بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه . ثم إنه أزال الفرقة التي كانوا ينفذون من خلالها للدس والكيد وجر المغانم , ووحد الصف الإسلامي الذي ضم الأوس والخزرج , وقد أصبحوا منذ اليوميعرفون بالأنصار , إلى المهاجرين , وألف منهم جميعا ذلك المجتمع المسلم المتضام المتراص الذي لم تعهد له البشرية من قبل ولا من بعد نظيرا على الإطلاق .

ولقد كان اليهود يزعمون أنهم شعب الله المختار , وأن فيهم الرسالة والكتاب . فكانوا يتطلعون أن يكون الرسول الأخير فيهم كما توقعوا دائما . فلما أن جاء من العرب ظلوا يتوقعون أن يعتبرهم خارج نطاق دعوته , وأن يقصر الدعوة على الأميين من العرب ! فلما وجدوه يدعوهم - أول من يدعو - إلى كتاب الله , بحكم أنهم أعرف به من المشركين , وأجدر بالاستجابة له من المشركين . . أخذتهم العزة بالإثم , وعدوا توجيه الدعوة إليهم إهانة واستطالة !

ثم إنهم حسدوا النبي [ ص ] حسدا شديدا . حسدوه مرتين:مرة لأن الله اختاره وأنزل عليه الكتاب - وهم لم يكونوا يشكون في صحته - وحسدوه لما لقيه من نجاح سريع شامل في محيط المدينة .

على أنه كان هناك سبب آخر لحنقهم ولموقفهم من الإسلام موقف العداء والهجوم منذ الأيام الأولى:ذلك هو شعورهم بالخطر من عزلهم عن المجتمع المدني الذي كانوا يزاولون فيه القيادة العقلية والتجارة الرابحة والربا المضعف ! هذا أو يستجيبوا للدعوة الجديدة . ويذوبوا في المجتمع الإسلامي . وهما أمران - في تقديرهم - أحلاهما مر !

لهذا كله وقف اليهود من الدعوة الإسلامية هذا الموقف الذي تصفه سورة البقرة , [ وسور غيرها كثيرة ] في تفصيل دقيق , نقتطف هنا بعض الآيات التي تشير إليه . . جاء في مقدمة الحديث عن بني إسرائيل هذ النداء العلوي لهم:(يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون . وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم . ولا تكونوا أول كافر به , ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا , وإياي فاتقون . ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين . أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ? وأنتم تتلون الكتاب ? أفلا تعقلون ?). . وبعد تذكيرهم طويلا بمواقفهم مع نبيهم موسى - عليه السلام - وجحودهم لنعم الله عليهم , وفسوقهم عن كتابهم وشريعتهم . . ونكثهم لعهد الله معهم . . جاء في سياق الخطاب لتحذير المسلمين منهم:(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ? وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا , وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا:أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ? أفلا تعقلون ?). .(وقالوا:لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . قل:أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ? أم تقولون على الله ما لا تعلمون ?). .(ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به , فلعنة الله على الكافرين). . . (وإذا قيل لهم:آمنوا بما أنزل الله . قالوا:نؤمن بما أنزل علينا , ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم). . .(ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون). . . (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم). . . (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق). . . (وقالوا:لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى . تلك أمانيهم). . . (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم). . . الخ الخ .

وكانت معجزة القرآن الخالدة أن صفتهم التي دمغهم بها هي الصفة الملازمة لهم في كل أجيالهم من قبلالإسلام ومن بعده إلى يومنا هذا . مما جعل القرآن يخاطبهم - في عهد النبي [ ص ] كما لو كانوا هم أنفسهم الذين كانوا على عهد موسى - عليه السلام - وعلى عهود خلفائه من أنبيائهم باعتبارهم جبلة واحدة . سماتهم هي هي , ودورهم هو هو , وموقفهم من الحق والخلق موقفهم على مدار الزمان ! ومن ثم يكثر الالتفات في السياق من خطاب قوم موسى , إلى خطاب اليهود في المدينة , إلى خطاب أجيال بين هذين الجيلين . ومن ثم تبقى كلمات القرآن حية كأنما تواجه موقف الأمة المسلمة اليوم وموقف اليهود منها . وتتحدث عن استقبال يهود لهذه العقيدة ولهذه الدعوة اليوم وغدا كما استقبلتها بالأمس تماما ! وكأن هذه الكلمات الخالدة هي التنبيه الحاضر والتحذير الدائم للأمة المسلمة , تجاه أعدائها الذين واجهوا أسلافها بما يواجهونها اليوم به من دس وكيد , وحرب منوعة المظاهر , متحدة الحقيقة !

4  - الخط الثاني في السورة:أسس بناء الجماعة المسلمة وإعدادها للخلافة وهو من بداية الجزء الثاني

وهذه السورة التي تضمنت هذا الوصف , وهذا التنبيه , وهذا التحذير , تضمنت كذلك بناء الجماعة المسلمة وإعدادها لحمل أمانة العقيدة في الأرض بعد نكول بني إسرائيل عن حملها قديما , ووقوفهم في وجهها هذه الوقفة أخيرا . .

تبدأ السورة - كما أسلفنا - بوصف تلك الطوائف التي كانت تواجه الدعوة أول العهد بالهجرة - بما في ذلك تلك الإشارة إلى الشياطين اليهود الذين يرد ذكرهم فيما بعد مطولا - وتلك الطوائف هي التي تواجه هذه الدعوة على مدار التاريخ بعد ذلك . ثم تمضي السورة على محورها بخطيه الأساسيين إلى نهايتها . في وحدة ملحوظة , تمثل الشخصية الخاصة للسورة , مع تعدد الموضوعات التي تتناولها وتنوعها .

فبعد استعراض النماذج الثلاثة الأولى:المتقين . والكافرين . والمنافقين . وبعد الإشارة الضمنية لليهود الشياطين . . نجد دعوة للناس جميعا إلى عبادة الله والإيمان بالكتاب المنزل على عبده . وتحدي المرتابين فيه أن يأتوا بسورة من مثله . وتهديد الكافرين بالنار وتبشير المؤمنين بالجنة . . ثم نجد التعجيب من أمر الذين يكفرون بالله:(كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم , ثم يميتكم ثم يحييكم , ثم إليه ترجعون ! هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا , ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات , وهو بكل شيء عليم). .

وعند هذا المقطع الذي يشير إلى خلق ما في الأرض جميعا للناس تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض: (وإذ قال ربك للملائكة:إني جاعل في الأرض خليفة). . وتمضي القصة تصف المعركة الخالدة بين آدم والشيطان حتى تنتهي بعهد الاستخلاف - وهو عهد الإيمان -:(قلنا:اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى , فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). .

بعد هذا يبدأ السياق جولة واسعة طويلة مع بني إسرائيل - أشرنا إلى فقرات منها فيما سبق - تتخللها دعوتهم للدخول في دين الله وما أنزله الله مصدقا لما معهم مع تذكيرهم بعثراتهم وخطاياهم والتوائهم وتلبيسهم منذ أيام موسى - عليه السلام - وتستغرق هذه الجولة كل هذا الجزء الأول من السورة .

ومن خلال هذه الجولة ترتسم صورة واضحة لاستقبال بني إسرائيل للإسلام ورسوله وكتابه . . لقد كانوا أول كافر به . وكانوا يلبسون الحق بالباطل . وكانوا يأمرون الناس بالبر - وهو الإيمان - وينسون أنفسهم . وكانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه . وكانوا يخادعون الذين آمنوا باظهار الإيمان وإذا خلا بعضهم إلى بعض حذر بعضهم بعضا من إطلاع المسلمين على ما يعلمونه من أمر النبي وصحة رسالته ! وكانوا يريدونإن يردوا المسلمين كفارا . وكانوا يدعون من أجل هذا أن المهتدين هم اليهود وحدهم - كما كان النصارى يدعون هذا أيضا - وكانوا يعلنون عداءهم لجبريل - عليه السلام - بما أنه هو الذي حمل الوحي إلى محمد دونهم ! وكانوا يكرهون كل خير للمسلمين ويتربصون بهم السوء . وكانوا ينتهزون كل فرصة للتشكيك في صحة الأوامر النبوية ومجيئها من عند الله تعالى - كما فعلوا عند تحويل القبلة - وكانوا مصدر إيحاء وتوجيه للمنافقين . كما كانوا مصدر تشجيع للمشركين .

ومن ثم تتضمن السورة حملة قوية على أفاعيلهم هذه ; وتذكرهم بمواقفهم المماثلة من نبيهم موسى - عليه السلام - ومن شرائعهم وأنبيائهم على مدار أجيالهم . وتخاطبهم في هذا كأنهم جيل واحد متصل , وجبلة واحدة لا تتغير ولا تتبدل .

وتنتهي هذه الحملة بتيئيس المسلمين من الطمع في إيمانهم لهم , وهم على هذه الجبلة الملتوية القصد , المؤوفة الطبع . كما تنتهي بفصل الخطاب في دعواهم أنهم وحدهم المهتدون , بما أنهم ورثة إبراهيم . وتبين أن ورثة إبراهيم الحقيقيين هم الذين يمضون على سنته , ويتقيدون بعهده مع ربه ; وأن وراثة إبراهيم قد انتهت إذن إلى محمد [ ص ] والمؤمنين به , بعد ما انحرف اليهود وبدلوا ونكلوا عن حمل أمانة العقيدة , والخلافة في الأرض بمنهج الله ; ونهض بهذا الأمر محمد والذين معه . وأن هذا كان استجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وهما يرفعان القواعد من البيت:(ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك , وأرنا مناسكنا , وتب علينا , إنك أنت التواب الرحيم . ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك , ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم , إنك أنت العزيز الحكيم).

وعند هذا الحد يبدأ سياق السورة يتجه إلى النبي [ ص ] وإلى الجماعة المسلمة من حوله ; حيث يأخذ في وضع الأسس التي تقوم عليها حياة هذا الجماعة المستخلفة على دعوة الله في الأرض , وفي تمييز هذه الجماعة بطابع خاص , وبمنهج في التصور وفي الحياة خاص .

ويبدأ في هذا بتعيين القبلة التي تتجه إليها هذه الجماعة . وهي البيت المحرم الذي عهد الله لإبراهيم وإسماعيل أن يقيماه ويطهراه ليعبد فيه الله وحده , هذه القبلة التي كان النبي [ ص ] يرغب ولا يصرح في الاتجاه إليها: (قد نرى تقلب وجهك في السماء , فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام , وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). .

ثم تمضي السورة في بيان المنهج الرباني لهذه الجماعة المسلمة . منهج التصور والعبادة , ومنهج السلوك والمعاملة , تبين لها أن الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتا بل أحياء . وأن الإصابة بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات ليس شرا يراد بها , إنما هو ابتلاء , ينال الصابرون عليه صلوات الله ورحمته وهداه . وأن الشيطان يعد الناس الفقر ويأمرهم بالفحشاء والله يعدهم مغفرة منه وفضلا . وأن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور , والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات . . وتبين لهم بعض الحلال والحرام في المطاعم والمشارب . وتبين لهم حقيقة البر لا مظاهره وأشكاله . وتبين لهم أحكام القصاص في القتلى . وأحكام الوصية . وأحكام الصوم . وأحكام الجهاد . وأحكام الحج . وأحكام الزواج والطلاق مع التوسع في دستور الأسرة بصفة خاصة . وأحكام الصدقة وأحكام الربا . وأحكام الدين والتجارة . . .

وفي مناسبات معينة يرجع السياق إلى الحديث عن بني إسرائيل من بعد موسى . وعن حلقات من قصةإبراهيم . ولكن جسم السورة - بعد الجزء الأول منها - ينصرف إلى بناء الجماعة المسلمة , وإعدادها لحمل أمانة العقيدة , والخلافة في الأرض بمنهج الله وشريعته . وتمييزها بتصورها الخاص للوجود , وارتباطها بربها الذي اختارها لحمل هذه الأمانة الكبرى .

وفي النهاية نرى ختام السورة ينعطف على افتتاحها , فيبين طبيعة التصور الإيماني , وإيمان الأمة المسلمة بالأنبياء كلهم , وبالكتب كلها وبالغيب وما وراءه , مع السمع والطاعة: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون , كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله , لا نفرق بين أحد من رسله , وقالوا:سمعنا وأطعنا , غفرانك ربنا وإليك المصير . لا يكلف الله نفسا إلا وسعها , لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت , ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا , ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا , ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به , واعف عنا واغفر لنا , وارحمنا , أنت مولانا , فانصرنا على القوم الكافرين . .

ومن ثم يتناسق البدء والختام , وتتجمع موضوعات السورة بين صفتين من صفات المؤمنين وخصائص الإيمان .

الوحدة الأولى آياتها : 1 - 29 موضوعها : أصناف البشر الثلاثة ودعوة إلى الإنحياز للمؤمنين تعريف بالوحدة الأولى

في هذا المقطع , الذي يكون افتتاح السورة الكبيرة , نجد الملامح الأساسية للطوائف التي واجهتها الدعوة في المدينة باستثناء طائفة اليهود التي ترد إشارة صغيرة لها , ولكنها كافية , فإن تسميتهم بشياطين المنافقين تشير إلى الكثير من صفاتهم , ومن حقيقة دورهم , حتى يرد التفصيل الكامل بعد قليل .

وفي رسم هذه الملامح نجد خصائص التعبير القرآنية , التي تتجلى في قيام الكلمة مقام الخط واللون , إذ سرعان ما ترتسم الصور من خلال الكلمات ; ثم سرعان ما تنبض هذه الصور وكأنها تموج بالحياة . .

وهنا . . في عدد قليل من الكلمات والعبارات في أول السورة ترتسم ثلاث صور لثلاثة أنماط من النفوس . كل نمط منها نموذج حي لمجموعات ضخمة من البشر . نموذج أصيل عميق متكرر في كل زمان ومكان . حتى ما تكاد البشرية كلها في جميع أعصارها وأقطارها تخرج عن تلك الأنماط الثلاثة . . وهذا هو الإعجاز . .

في تلك الكلمات القلائل والآيات المعدودات ترتسم هذه الصور واضحة كاملة , نابضة بالحياة , دقيقة السمات , مميزة الصفات . حتى ما يبلغ الوصف المطول والإطناب المفصل شيئا وراء هذه اللمسات السريعة المبينة , الجميلة النسق , الموسيقية الإيقاع .

فإذا انتهى السياق من عرض هذه الصور الثلاث دعا الناس . . الناس جميعا . . إلى الصورة الأولى ; وناداهم .

 

ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)

 

ناداهم كافة . . أن يفيئوا إليها . أن يفيئوا إلى عبادة الله الواحد , والخالق الواحد , والرازق الواحد , بلا شركاء ولا أنداد . وتحدى الذين يرتابون في رسالة النبي [ ص ] وتنزيل الكتاب عليه أن يأتوا بسورة من مثله . وأنذرهم إذا تولوا عذابا مفزعا مرهوبا ; وبشر المؤمنين وصور ما ينتظرهم من نعيم مقيم .

ثم أخذ يرد على اليهود والمنافقين الذين استنكروا ضرب الله للأمثال في القرآن , واتخذوا منه وسيلة للتشكيك في أنه منزل من عند الله . وحذرهم ما وراء ضرب الأمثال , أن يزيدهم ضلالا - كما يزيد المؤمنين هدى - ثم استنكر أن يكفروا بالله المحيي المميت الخالق المدبر , العليم بكل شيء في هذا الوجود , وهو الذي أنعم على البشر فخلق لهم ما في الأرض جميعا واستخلفهم في هذا الملك الطويل العريض .

تلك مجمل الخطوط الرئيسية في هذا الدرس الأول من سورة البقرة . فلنحاول أن نتناول هذا الإجمال بشيء من التفصيل .

الدرس الأول:1 - 5 صفات المتقين

تبدأ السورة بهذه الأحرف الثلاثة المقطعة:"ألف . لام . ميم" . يليها الحديث عن كتاب الله:(ذلك الكتاب لا ريب فيه , هدى للمتقين). .

ومثل هذه الأحرف يجيء في مقدمة بعض السور القرآنية . وقد وردت في تفسيرها وجوه كثيرة . نختار منها وجها . إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف , وهي في متناول المخاطبين به من العرب . ولكنه - مع هذا - هو ذلك الكتاب المعجز , الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله . الكتاب الذي يتحداهم مرة ومرة ومرة أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله , أو بسورة من مثله فلا يملكون لهذا التحدي جوابا !

والشأن في هذا الإعجاز هو الشأن في خلق الله جميعا . وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس . . أن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات . فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو آجرة , أو آنية أو اسطوانة , أو هيكل أو جهاز . كائنا في دقته ما يكون . . ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة . حياة نابضة خافقة . تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز . . سر الحياة . . ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر , ولا يعرف سره بشر . . وهكذا القرآن . . حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا , ويجعل منها الله قرآنا وفرقانا , والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات , هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض . . هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة !

(ذلك الكتاب لا ريب فيه). .

ومن أين يكون ريب أو شك ; ودلالة الصدق واليقين كامنة في هذا المطلع , ظاهرة في عجزهم عن صياغة مثله , من مثل هذه الأحرف المتداولة بينهم , المعروفة لهم من لغتهم ?

(ذلك الكتاب لا ريب فيه . . هدى للمتقين). .

الهدى حقيقته , والهدى طبيعته , والهدى كيانه , والهدى ماهيته . . ولكن لمن ? لمن يكون ذلك الكتاب هدى ونورا ودليلا ناصحا مبينا ? . . للمتقين . . فالتقوى في القلب هي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب . هي

 

 

 

(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3

 

التي تفتح مغاليق القلب له فيدخل ويؤدي دوره هناك . هي التي تهيء لهذا القلب أن يلتقط وأن يتلقى وأن يستجيب .

لا بد لمن يريد أن يجد الهدى في القرآن أن يجيء إليه بقلب سليم . بقلب خالص . ثم أن يجيء إليه بقلب يخشى ويتوقى , ويحذر أن يكون على ضلالة , أو أن تستهويه ضلالة . . وعندئذ يتفتح القرآن عن أسراره وأنواره , ويسكبها في هذا القلب الذي جاء إليه متقيا , خائفا , حساسا , مهيأ للتلقي . . ورد أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له:أما سلكت طريقا ذا شوك ? قال بلى ! قال:فما عملت ? قال:شمرت واجتهدت . قال:فذلك التقوى . .

فذلك التقوى . . حساسية في الضمير , وشفافية في الشعور , وخشية مستمرة , وحذر دائم , وتوق لأشواك الطريق . . طريق الحياة . . الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات , وأشواك المطامع والمطامح , وأشواك المخاوف والهواجس , وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء , والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعا ولا ضرا . وعشرات غيرها من الأشواك !

ثم يأخذ السياق في بيان صفة المتقين ; وهي صفة السابقين من المؤمنين في المدينة كما أنها صفة الخلص من مؤمني هذه الأمة في كل حين:

(الذين يؤمنون بالغيب , ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون , والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك , وبالآخرة هم يوقنون). .

إن السمة الأولى للمتقين هي الوحدة الشعورية الإيجابية الفعالة . الوحدة التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب , والقيام بالفرائض , والإيمان بالرسل كافة , واليقين بعد ذلك بالآخرة . . هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلامية , وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة , والجدير بأن تكون عليه العقيدة الأخيرة التي جاءت ليلتقي عليها الناس جميعا , ولتهيمن على البشرية جميعا , وليعيش الناس في ظلالها بمشاعرهم وبمنهج حياتهم حياة متكاملة , شاملة للشعور والعمل , والإيمان والنظام .

فإذا نحن أخذنا في تفصيل هذه السمة الأولى للمتقين إلى مفرداتها التي تتألف منها , انكشفت لنا هذه المفردات عن قيم أساسية في حياة البشرية جميعا . .

(الذين يؤمنون بالغيب). . فلا تقوم حواجز الحس دون الاتصال بين أرواحهم والقوة الكبرى التي صدرت عنها , وصدر عنها هذا الوجود ; ولا تقوم حواجز الحس بين أرواحهم وسائر ما وراء الحس من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات .

والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان , فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه , إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي , ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود , وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير . كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض ; فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته ; ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائهوأعماقه , ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود , وأن وراء الكون ظاهره وخافيه , حقيقة أكبر من الكون , هي التي صدر عنها , واستمد من وجودها وجوده . . حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار ولا تحيط بها العقول .

وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتمزق والانشغال بما لم تخلق له , وما لم توهب القدرة للإحاطة به , وما لا يجدي شيئا أن تنفق فيه . إن الطاقة الفكرية التي وهبها الإنسان , وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض , فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة , تنظر فيها , وتتعمقها وتتقصاها , وتعمل وتنتج , وتنمي هذه الحياة وتجملها , على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحية التي تتصل مباشرة بالوجود كله وخالق الوجود , وعلى أن تدع للمجهول حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول . فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدود الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها , دون سند من الروح الملهم والبصيرة المفتوحة , وترك حصة للغيب لا ترتادها العقول . . فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولا , ومحاولة عابثة أخيرا . فاشلة لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال . وعابثه لأنها تبدد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال . . ومتى سلم العقل البشري بالبديهية العقلية الأولى , وهي أن المحدود لا يدرك المطلق , لزمه - احتراما لمنطقه ذاته - أن يسلم بأن إدراكه للمطلق مستحيل ; وإن عدم إدراكه للمجهول لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون ; وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل ; وأن يتلقى العلم في شأنه من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن , والغيب والشهادة . . وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلى به المؤمنون , وهو الصفة الأولى من صفات المتقين .

لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة . ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان , كجماعة الماديين في كل زمان , يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقري . . إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس ! ويسمون هذا "تقدمية " وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها , فجعل صفتهم المميزة , صفة: (الذين يؤمنون بالغيب)والحمد لله على نعمائه , والنكسة للمنتكسين والمرتكسين !

(ويقيمون الصلاة). . فيتجهون بالعبادة لله وحده , ويرتفعون بهذا عن عبادة العباد , وعبادة الأشياء . يتجهون إلى القوة المطلقة بغير حدود ويحنون جباههم لله لا للعبيد ; والقلب الذي يسجد لله حقا , ويتصل به على مدار الليل والنهار , يستشعر أنه موصول السبب بواجب الوجود , ويجد لحياته غاية أعلى من أن تستغرق في الأرض وحاجات الأرض , ويحس أنه أقوى من المخاليق لأنه موصول بخالق المخاليق . . وهذا كله مصدر قوة للضمير , كما أنه مصدر تحرج وتقوى , وعامل هام من عوامل تربية الشخصية , وجعلها ربانية التصور , ربانية الشعور , ربانية السلوك .

(ومما رزقناهم ينفقون). . فهم يعترفون ابتداء بأن المال الذي في أيديهم هو من رزق الله لهم , لا من خلق أنفسهم ; ومن هذا الاعتراف بنعمة الرزق ينبثق البر بضعاف الخلق , والتضامن بين عيال الخالق , والشعور بالآصرة الإنسانية , وبالأخوة البشرية . . وقيمة هذا كله تتجلى في تطهير النفس من الشح , وتزكيتها بالبر . وقيمتها أنها ترد الحياة مجال تعاون لا معترك تطاحن , وأنها تؤمن العاجز والضعيف والقاصر , وتشعرهم أنهم يعيشون بين قلوب ووجوه ونفوس , لا بين أظفار ومخالب ونيوب !

والإنفاق يشمل الزكاة والصدقة , وسائر ما ينفق في وجوه البر . وقد شرع الإنفاق قبل أن تشرع الزكاة , لأنه الأصل الشامل الذي تخصصه نصوص الزكاة ولا تستوعبه . وقد ورد في حديث رسول الله [ ص ]

 

والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

 

بإسناده لفاطمة بنت قيس " إن في المال حقا سوى الزكاة " . . وتقرير المبدأ على شموله هو المقصود في هذا النص السابق على فريضة الزكاة

(والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك). . وهي الصفة اللائقة بالأمة المسلمة , وارثة العقائد السماوية , ووارثة النبوات منذ فجر البشرية , والحفيظة على تراث العقيدة وتراث النبوة , وحادية موكب الإيمان في الأرض إلى آخر الزمان . وقيمة هذه الصفة هي الشعور بوحدة البشرية , ووحدة دينها , ووحدة رسلها , ووحدة معبودها . . قيمتها هي تنقية الروح من التعصب الذميم ضد الديانات والمؤمنين بالديانات ما داموا على الطريق الصحيح . . قيمتها هي الاطمئنان إلى رعاية الله للبشرية على تطاول أجيالها وأحقابها . هذه الرعاية البادية في توالي الرسل والرسالات بدين واحد وهدى واحد . قيمتها هي الاعتزاز بالهدى الذي تتقلب الأيام والأزمان , وهو ثابت مطرد , كالنجم الهادي في دياجير الظلام

(وبالآخرة هم يوقنون). . وهذه خاتمة السمات . الخاتمة التي تربط الدنيا بالآخرة , والمبدأ بالمصير , والعمل بالجزاء ; والتي تشعر الإنسان أنه ليس لقى مهملا , وأنه لم يخلق عبثا , ولن يترك سدى ; وأن العدالة المطلقة في انتظاره , ليطمئن قلبه , وتستقر بلابله , ويفيء إلى العمل الصالح , وإلى عدل الله روحمته في نهاية المطاف .

واليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين من يعيش بين جدران الحس المغلقة , ومن يعيش في الوجود المديد الرحيب . بين من يشعر أن حياته على الأرض هي كل ما له في هذا الوجود , ومن يشعر أن حياته على الأرض ابتلاء يمهد للجزاء , وأن الحياة الحقيقية إنما هي هنالك , وراء هذا الحيز الصغير المحدود .

وكل صفة من هذه الصفات - كما رأينا - ذات قيمة في الحياة الإنسانية , ومن ثم كانت هي صفات المتقين . وهناك تساوق وتناسق بين هذه الصفات جميعا , هو الذي يؤلف منها وحدة متناسقة متكاملة . فالتقوى شعور في الضمير , وحالة في الوجدان , تنبثق منها اتجاهات وأعمال ; وتتوحد بها المشاعر الباطنة والتصرفات الظاهرة ; وتصل الإنسان بالله في سره وجهره . وتشف معها الروح فتقل الحجب بينها وبين الكلي الذي يشمل عالمي الغيب والشهادة , ويلتقي فيه المعلوم والمجهول . ومتى شفت الروح وانزاحت الحجب بين الظاهر والباطن , فإن الإيمان بالغيب عندئذ يكون هو الثمرة الطبيعية لإزالة الحجب الساترة , واتصال الروح بالغيب والاطمئنان إليه . ومع التقوى والإيمان بالغيب عبادة الله في الصورة التي اختارها , وجعلها صلة بين العبد والرب . ثم السخاء بجزء من الرزق اعترافا بجميل العطاء , وشعورا بالإخاء . ثم سعة الضمير لموكب الإيمان العريق , والشعور بآصرة القربى لكل مؤمن ولكل نبي ولكل رسالة . ثم اليقين بالآخرة بلا تردد ولا تأرجح في هذا اليقين . . وهذه كانت صورة الجماعة المسلمة التي قامت في المدينة يوم ذاك , مؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار . وكانت هذه الجماعة بهذه الصفات شيئا عظيما . شيئا عظيما حقا بتمثل هذه الحقيقة الإيمانية فيها . ومن ثم صنع الله بهذه الجماعة أشياء عظيمة في الأرض , وفي حياة البشر جميعا . . ومن ثم كان هذا التقرير:

(أولئك على هدى من ربهم , وأولئك هم المفلحون). .

وكذلك اهتدوا وكذلك أفلحوا . والطريق للهدى والفلاح هو هذا الطريق المرسوم .

 

 

 

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8

 

الدرس الثاني:6 - 7 صفات الكافرين فأما الصورة الثانية فهي صورة الكافرين . وهي تمثل مقومات الكفر في كل أرض وفي كل حين:

(إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم , وعلى أبصارهم غشاوة , ولهم عذاب عظيم). .

وهنا نجد التقابل تاما بين صورة المتقين وصورة الكافرين . . فإذا كان الكتاب بذاته هدى للمتقين , فإن الإنذار وعدم الإنذار سواء بالقياس إلى الكافرين . إن النوافذ المفتوحة في أرواح المتقين , والوشائج التي تربطهم بالوجود وبخالق الوجود , وبالظاهر والباطن والغيب والحاضر . . إن هذه النوافذ المفتحة كلها هناك , مغلقة كلها هنا . وإن الوشائج الموصولة كلها هناك , مقطوعة كلها هنا:

(ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم)ختم عليها فلا تصل إليها حقيقة من الهدى ولا صدى .

(وعلى أبصارهم غشاوة). . فلا نور يوصوص لها ولا هدى . ! وقد طبع الله على قلوبهم وعلى سمعهم وغشي على أبصارهم جزاء وفاقا على استهتارهم بالإنذار , حتى تساوى لديهم الإنذار وعدم الإنذار .

إنها صورة صلدة , مظلمة , جامدة , ترتسم من خلال الحركة الثابتة الجازمة . حركة الختم على القلوب والأسماع , والتغشية على العيون والأبصار . .

(ولهم عذاب عظيم). . وهي النهاية الطبيعية للكفر العنيد , الذي لا يستجيب للنذير ; والذي يستوي عنده الإنذار وعدم الإنذار ; كما علم الله من طبعهم المطموس العنيد .

الدرس الثالث:8 - 16 صفات المنافقين

ثم ننتقل - مع السياق - إلى الصورة الثالثة . أو إلى النموذج الثالث

إنها ليست في شفافية الصورة الأولى وسماحتها . وليست في عتامة الصورة الثانية وصفاقتها . ولكنها تتلوى في الحس . وتروغ من البصر , وتخفى وتبين . . إنها صورة المنافقين:

ومن الناس من يقول:آمنا بالله وباليوم الآخر , وما هم بمؤمنين . يخادعون الله والذين آمنوا , وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون . وإذا قيل لهم:لا تفسدوا في الأرض , قالوا:إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . وإذا قيل لهم:آمنوا كما آمن الناس , قالوا:أنؤمن كما آمن السفهاء ? ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون . وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا . وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا:إنا معكم , إنما نحن مستهزئون . الله يستهزئ بهم , ويمدهم في طغيانهم يعمهون . أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى , فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين . .

لقد كانت هذه صورة واقعة في المدينة ; ولكننا حين نتجاوز نطاق الزمان والمكان نجدها نموذجا مكرورا في أجيال البشرية جميعا . نجد هذا النوع من المنافقين من علية الناس الذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح , أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح . وهم في الوقت ذاته يتخذون لأنفسهم مكان المترفع على جماهير الناس , وعلى تصورهم للأمور ! ومن ثم نميل إلى مواجهة هذه النصوص كما لو كانت مطلقة من مناسبتها التاريخية , موجهة إلى هذا الفريق من المنافقين في كل جيل . وإلى صميم النفس الإنسانية الثابت في كل جيل

إنهم يدعون الإيمان بالله واليوم الآخر . وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين . إنما هم منافقون لا يجرؤون على الإنكار والتصريح بحقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين .

 

 

يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

وهم يظنون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على خداع هؤلاء البسطاء ; ولكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم , فهم لا يخادعون المؤمنين , إنما يخادعون الله كذلك أو يحاولون:

(يخادعون الله والذين آمنوا). .

وفي هذا النص وأمثاله نقف أمام حقيقة كبيرة , وأمام تفضل من الله كريم . . تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائما ويقررها , وهي حقيقة الصلة بين الله والمؤمنين . إنه يجعل صفهم صفه , وأمرهم أمره . وشأنهم شأنه . يضمهم سبحانه إليه , ويأخذهم في كنفه , ويجعل عدوهم عدوه , وما يوجه إليهم من مكر موجها إليه - سبحانه - وهذا هو التفضل العلوي الكريم . . التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوى السامق ; والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق , والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لا حد لها , وهو يرى الله - جل شأنه - يجعل قضيته هي قضيته , ومعركته هي معركته , وعدوه هو عدوه , ويأخذه في صفة , ويرفعه إلى جواره الكريم . . فماذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير ?!

وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم , وإيصال الأذى إليهم . تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع الله القوي الجبار القهار . وأنهم إنما يحاربون الله حين يحاربون أولياءه , وإنما يتصدون لنقمة الله حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة .

وهذه الحقيقة من جانبيها جديرة بأن يتدبرها المؤمنون ليطمئنوا ويثبتوا ويمضوا في طريقهم لا يبالون كيد الكائدين , ولا خداع الخادعين , ولا أذى الشريرين . ويتدبرها أعداء المؤمنين فيفزعوا ويرتاعوا ويعرفوا من الذي يحاربونه ويتصدون لنقمته حين يتصدون للمؤمنين . .

ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون الله والذين آمنوا بقولهم:آمنا بالله وباليوم الآخر . ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء . . ولكن يا للسخرية ! يا للسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية:

(وما يخدعون إلا أنفسهم , وما يشعرون). .

إنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور ! إن الله بخداعهم عليم ; والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم . أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها . يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق , ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين . وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة بالكفر الذي يضمرونه , والنفاق الذي يظهرونه . وينتهون بها إلى شر مصير !

ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة ? ولماذا يخادعون هذا الخداع

(في قلوبهم مرض). .

في طبيعتهم آفة . في قلوبهم علة . وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم . ويجعلهم يستحقون من الله أن يزيدهم مما هم فيه:

(فزادهم الله مرضا). .

فالمرض ينشىء المرض , والانحراف يبدأ يسيرا , ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد . سنة لا تتخلف . سنة الله في الأشياء والأوضاع , وفي المشاعر والسلوك . فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم . المصير الذي يستحقه من يخادعون الله والمؤمنين:

(ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون).


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)  أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12)  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (13)  وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)  اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)  أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (16)  . مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17)  صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18)  أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19)  يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) 

 

 

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (13

وصفة أخرى من صفاتهم - وبخاصة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهد بالهجرة مقام في قومهم ورياسة وسلطان كعبد الله بن أبي بن سلول - صفة العناد وتبرير ما يأتون من الفساد , والتبجح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون:

(وإذا قيل لهم:لا تفسدوا في الأرض , قالوا:إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون , ولكن لا يشعرون). .

إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع , بل يضيفون اليهما السفه والادعاء: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض). . لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد , بل تجاوزوه إلى التبجح والتبرير: (قالوا:إنما نحن مصلحون). .

والذين يفسدون أشنع الفساد , ويقولون:إنهم مصلحون , كثيرون جدا في كل زمان . يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم . ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم . والذين لا يخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم , لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية , ولا يثوب إلى قاعدة ربانية . .

ومن ثم يجيء التعقيب الحاسم والتقرير الصادق:

(ألا إنهم هم المفسدون , ولكن لا يشعرون). .

ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامة الناس , ليكسبوا لأنفسهم مقاما زائفا في أعين الناس:

(وإذا قيل لهم:آمنوا كما آمن الناس , قالوا:أنؤمن كما آمن السفهاء ? ألا إنهم هم السفهاء , ولكن لا يعلمون). .

وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء . إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة , وأسلموا وجوههم لله , وفتحوا صدورهم لرسول الله [ ص ] يوجههم فيستجيبون بكليتهم مخلصين متجردين . . هؤلاء هم الناس الذين كان المنافقون يدعون ليؤمنوا مثلهم هذا الإيمان الخالص الواضح المستقيم . .

وواضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول [ ص ] ويرونه خاصا بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام ! ومن ثم قالوا قولتهم هذه: (أنؤمن كما آمن السفهاء ?). . ومن ثم جاءهم الرد الحاسم , والتقرير الجازم:

(ألا إنهم هم السفهاء , ولكن لا يعلمون). .

ومتى علم السفيه أنه سفيه ? ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم ?!

ثم تجيء السمة الأخيرة التي تكشف عن مدى الارتباط بين المنافقين في المدينة واليهود الحانقين . . إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع , والسفه والادعاء , إنما يضيفون إليها الضعف واللؤم والتآمر في الظلام:

(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا , وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا:إنا معكم , إنما نحن مستهزؤون). .

وبعض الناس يحسب اللؤم قوة , والمكر السيىء براعة . وهو في حقيقته ضعف وخسة . فالقوي ليس لئيما ولا خبيثا , ولا خادعا ولا متآمرا ولا غمازا في الخفاء لمازا . وهؤلاء المنافقون الذين كانوا يجبنون عن المواجهة ,

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (16)

 

ويتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين , ليتقوا الأذى , وليتخذوا هذا الستار وسيلة للأذى . . هؤلاء كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم - وهم غالبا - اليهود الذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته , كما أن هؤلاء كانوا يجدون في اليهود سندا وملاذا . . هؤلاء المنافقون كانوا (إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا:إنا معكم إنما نحن مستهزئون)- أي بالمؤمنين - بما نظهره من الإيمان والتصديق !

وما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه وقولتهم , حتى يصب عليهم من التهديد ما يهد الرواسي:

(الله يستهزئ بهم , ويمدهم في طغيانهم يعمهون). .

وما أبأس من يستهزيء به جبار السماوات والأرض وما أشقاه !! وإن الخيال ليمتد إلى مشهد مفزع رعيب . وإلى مصير تقشعر من هوله القلوب .

وهو يقرأ:(الله يستهزئ بهم , ويمدهم في طغيانهم يعمهون). . فيدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لا يعرفون غايته , واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته , كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ , غافلة عن المقبض المكين . . وهذا هو الاستهزاء الرعيب , لا كاستهزائهم الهزيل الصغير .

وهنا كذلك تبدو تلك الحقيقة التي أشرنا من قبل إليها . حقيقة تولي الله - سبحانه - للمعركة التي يراد بها المؤمنون . وما وراء هذا التولي من طمأنينة كاملة لأولياء الله , ومصير رعيب بشع لأعداء الله الغافلين , المتركين في عماهم يخبطون , المخدوعين بمد الله لهم في طغيانهم , وإمهالهم بعض الوقت في عدوانهم , والمصير الرعيب ينتظرهم هنالك , وهم غافلون يعمهون !

والكلمة الأخيرة التي تصور حقيقة حالهم , ومدى خسرانهم:

(أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى , فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين). . فلقد كانوا يملكون الهدى لو أرادوا . كان الهدى مبذولا لهم . وكان في أيديهم . وكلنهم (اشتروا الضلالة بالهدى), كأغفل ما يكون المتجرون:

(فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين). .

الدرس الرابع:17 -20 مثلان مصوران لخسارة المنافقين

ولعلنا نلمح أن الحيز الذي استغرقه رسم هذه الصورة الثالثة قد جاء أفسح من الحيز الذي استغرفه رسم الصورة الأولى والصورة الثانية . .

ذلك أن كلا من الصورتين الأوليين فيه استقامة على نحو من الأنحاء وفيه بساطة على معنى من المعاني . . الصورة الأولى صورة النفس الصافية المستقيمة في اتجاهها , والصورة الثانية صورة النفس المعتمة السادرة في اتجاهها . أما الصورة الثالثة فهي صورة النفس الملتوية المريضة المعقدة المقلقلة . وهي في حاجة إلى مزيد من اللمسات , ومزيد من الخطوط كيما تتحدد وتعرف بسماتها الكثيرة . .

على أن هذه الإطالة توحي كذلك بضخامة الدور الذي كان يقوم به المنافقون في المدينة لإيذاء الجماعة المسلمة , ومدى التعب والقلق والاضطراب الذي كانوا يحدثونه ; كما توحي بضخامة الدور الذي يمكن أن يقوم به المنافقون في كل وقت داخل الصف المسلم , ومدى الحاجة للكشف عن ألاعيبهم ودسهم اللئيم .

وزيادة في الإيضاح , يمضي السياق يضرب الأمثال لهذه الطائفة ويكشف عن طبيعتها , وتقلباتها وتأرجحها ليزيد هذه الطبيعة جلاء وإيضاحا:

 

 

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

(مثلهم كمثل الذي استوقد نارا , فلما أضاءت ما حوله , ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون . صم بكم عمي فهم لا يرجعون). .

. إنهم لم يعرضوا عن الهدى ابتداء , ولم يصموا آذانهم عن السماع , وعيونهم عن الرؤية وقلوبهم عن الإدراك , كما صنع الذين كفروا . ولكنهم استحبوا العمى على الهدى بعد ما استوضحوا الأمر وتبينوه . . لقد استوقدوا النار , فلما أضاء لهم نورها لم ينتفعوا بها وهم طالبوها . عندئذ (ذهب الله بنورهم)الذي طلبوه ثم تركوه: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون)جزاء إعراضهم عن النور !

وإذا كانت الآذان والألسنة والعيون , لتلقي الأصداء والأضواء , والانتفاع بالهدى والنور , فهم قد عطلوا آذانهم فهم(صم)وعطلوا ألسنتهم فهم(بكم)وعطلوا عيونهم فهم(عمي). . فلا رجعة لهم إلى الحق , ولا أوبة لهم إلى الهدى . ولا هداية لهم إلى النور !

ومثل آخر يصور حالهم ويرسم ما في نفوسهم من اضطراب وحيرة وقلق ومخافة:

(أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق , يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت . والله محيط بالكافرين . يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه , وإذا أظلم عليهم قاموا , ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم . إن الله على كل شيء قدير). .

إنه مشهد عجيب , حافل بالحركة , مشوب بالاضطراب . فيه تيه وضلال , وفيه هول ورعب , وفيه فزع وحيرة , وفيه أضواء وأصداء . . صيب من السماء هاطل غزير (فيه ظلمات ورعد وبرق). . (كلما أضاء لهم مشوا فيه). . (وإذا أظلم عليهم قاموا). . أي وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون . وهم مفزعون: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت). .

إن الحركة التي تغمر المشهد كله:من الصيب الهاطل , إلى الظلمات والرعد والبرق , إلى الحائرين المفزعين فيه , إلى الخطوات المروعة الوجلة , التي تقف عندما يخيم الظلام . . إن هذه الحركة في المشهد لترسم - عن طريق التأثر الإيحائي - حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون . . بين لقائهم للمؤمنين , وعودتهم للشياطين . بين ما يقولونه لحظة ثم ينكصون عنه فجأة . بين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام . . فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية ; ويجسم صورة شعورية . وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس .

الدرس الخامس:21 - 22 دعوة الناس للإنحياز إلى المتقين

وعندما يتم استعراض الصور الثلاث يرتد السياق في السورة نداء للناس كافة , وأمرا للبشرية جمعاء , أن تختار الصورة الكريمة المستقيمة . الصورة النقية الخالصة . الصورة العاملة النافعة . الصورة المهتدية المفلحة . . صورة المتقين:

(يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون . الذي جعل لكم الأرض فراشا , والسماء بناء , وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم , فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون). .

إنه النداء إلى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم . ربهم الذي تفرد بالخلق , فوجب أن يتفرد بالعبادة . . وللعبادة هدف لعلهم ينتهون إليه ويحققوه:

 

 

 

 

 

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

(لعلكم تتقون). . لعلكم تصيرون إلى تلك الصورة المختارة من صور البشرية . صورة العابدين لله . المتقين لله . الذين أدوا حق الربوبية الخالقة , فعبدوا الخالق وحده ; رب الحاضرين والغابرين , وخالق الناس أجمعين , ورازقهم كذلك من الأرض والسماء بلا ند ولا شريك:

(الذي جعل لكم الأرض فراشا). .

وهو تعبير يشي باليسر في حياة البشر على هذه الأرض , وفي إعدادها لهم لتكون لهم سكنا مريحا وملجأ واقيا كالفراش . . والناس ينسون هذا الفراش الذي مهده الله لهم لطول ما ألفوه . ينسون هذا التوافق الذي جعله الله في الأرض ليمهد لهم وسائل العيش , وما سخره لهم فيها من وسائل الراحة والمتاع . ولولا هذا التوافق ما قامت حياتهم على هذا الكوكب في مثل هذا اليسر والطمأنينة . ولو فقد عنصر واحد من عناصر الحياة في هذا الكوكب ما قام هؤلاء الأناسي في غير البيئة التي تكفل لهم الحياة . ولو نقص عنصر واحد من عناصر الهواء عن قدره المرسوم لشق على الناس أن يلتقطوا أنفاسهم حتى لو قدرت لهم الحياة !

(والسماء بناء). .

فيها متانة البناء وتنسيق البناء . والسماء ذات علاقة وثيقة بحياة الناس في الأرض , وبسهولة هذه الحياة . وهي بحرارتها وضوئها وجاذبية اجرامها وتناسقها وسائر النسب بين الأرض وبينها , تمهد لقيام الحياة على الأرض وتعين عليها . فلا عجب أن تذكر في معرض تذكير الناس بقدرة الخالق , وفضل الرازق , واستحقاق المعبود للعبادة من العبيد المخاليق .

(وأنزل من السماء ماء , فأخرج به من الثمرات رزقا لكم). .

وذكر إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به , ما يفتأ يتردد في مواضع شتى من القرآن في معرض التذكير بقدرة الله , والتذكير بنعمته كذلك . . والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعا . فمنه تنشأ الحياة بكل أشكالها ودرجاتها (وجعلنا من الماء كل شيء حي). . سواء أنبت الزرع مباشرة حين يختلط بالأرض , أو كون الأنهار والبحيرات العذبة , أو انساح في طبقات الأرض فتألفت منه المياه الجوفية , التي تتفجر عيونا أو تحفر آبارا , أو تجذب بالآلات إلى السطح مرة أخرى .

وقصة الماء في الأرض , ودوره في حياة الناس , وتوقف الحياة عليه في كل صورها وأشكالها . . كل هذا أمر لا يقبل المماحكة , فتكفي الإشارة إليه , والتذكير به , في معرض الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهاب .

وفي ذلك النداء تبرز كليتان من كليات التصور الإسلامي:وحدة الخالق لكل الخلائق: (الذي خلقكم والذين من قبلكم). . ووحدة الكون وتناسق وحداته وصداقته للحياة وللإنسان: (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء . وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم). . فهذا الكون أرضه مفروشة لهذا الإنسان , وسماؤه مبنية بنظام , معينة بالماء الذي تخرج به الثمرات رزقا للناس . . والفضل في هذا كله للخالق الواحد:

(فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون). .

تعلمون أنه خلقكم والذين من قبلكم . وتعلمون أنه جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء . وأنه لم يكن له شريك يساعد , ولا ند يعارض . فالشرك به بعد هذا العلم تصرف لا يليق !

 

 

(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23

 

والأنداد التي يشدد القرآن في النهي عنها لتخلص عقيدة التوحيد نقية واضحة , قد لا تكون آلهة تعبد مع الله على النحو الساذج الذي كان يزاوله المشركون . فقد تكون الأنداد في صور أخرى خفية . قد تكون في تعليق الرجاء بغير الله في أي صورة , وفي الخوف من غير الله في أي صورة . وفي الاعتقاد بنفع أو ضر في غير الله في أي صورة . . عن ابن عباس قال:" الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل . وهو أن يقول:والله وحياتك يا فلان وحياتي . ويقول:لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة , ولولا البط في الدار لأتى اللصوص . وقول الرجل لصاحبه:ما شاء الله وشئت ! وقول الرجل:لولا الله وفلان . . هذا كله به شرك " . . . وفي الحديث أن رجلا قال لرسول الله [ ص ] ما شاء الله وشئت . قال:" أجعلتني لله ندا ? " !

هكذا كان سلف هذه الأمة ينظر إلى الشرك الخفي والأنداد مع الله . . فلننظر نحن أين نحن من هذه الحساسية المرهفة , وأين نحن من حقيقة التوحيد الكبيرة !!!

الدرس السادس:23 - 24 تحدي الكفار بمعارضة القرآن

ولقد كان اليهود يشككون في صحة رسالة النبي [ ص ] وكان المنافقون يرتابون فيها - كما ارتاب المشركون وشككوا في مكة وغيرها - فهنا يتحدى القرآن الجميع . إذ كان الخطاب إلى "الناس " جميعا . يتحداهم بتجربة واقعية تفصل في الأمر بلا مماحكة:

(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله , وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين). .

ويبدأ هذا التحدي بلفتة لها قيمتها في هذا المجال . . يصف الرسول [ ص ] بالعبودية لله: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا). . ولهذا الوصف في هذا الموضع دلالات منوعة متكاملة:فهو أولا تشريف للنبي وتقريب بإضافة عبوديته لله تعالى ; دلالة على أن مقام العبودية لله هو أسمى مقام يدعى إليه بشر ويدعى به كذلك . وهو ثانيا تقرير لمعنى العبودية , في مقام دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم وحده , واطراح الأنداد كلها من دونه . فها هو ذا النبي في مقام الوحي - وهو أعلى مقام - يدعى بالعبودية لله , ويشرف بهذه النسبة في هذا المقام .

أما التحدي فمنظور فيه إلى مطلع السورة . . فهذا الكتاب المنزل مصوغ من تلك الحروف التي في أيديهم , فإن كانوا يرتابون في تنزيله , فدونهم فليأتوا بسورة من مثله ; وليدعوا من يشهد لهم بهذا - من دون الله - فالله قد شهد لعبده بالصدق في دعواه .

وهذا التحدي ظل قائما في حياة الرسول [ ص ] وبعدها , وما يزال قائما إلى يومنا هذا وهو حجة لا سبيل إلى المماحكة فيها . . وما يزال القرآن يتميز من كل كلام يقوله البشر تميزا واضحا قاطعا . وسيظل كذلك أبدا . سيظل كذلك تصديقا لقول الله تعالى في الآية التالية:

(فإن لم تفعلوا - ولن تفعلوا - فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين). .

والتحدي هنا عجيب , والجزم بعدم إمكانه أعجب , ولو كان في الطاقة تكذيبه ما توانوا عنه لحظة . وما من شك أن تقرير القرآن الكريم أنهم لن يفعلوا , وتحقق هذا كما قرره هو بذاته معجزة لا سبيل إلى المماراة فيها . ولقد كان المجال أمامهم مفتوحا , فلو أنهم جاءوا بما ينقض هذا التقرير القاطع لأنهارت حجية القرآن ولكن هذا لم يقع ولن يقع كذلك فالخطاب للناس جميعا , ولو أنه كان في مواجهة جيل من أجيال الناس .

 

 

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)

وهذه وحدها كلمة الفصل التاريخية .

على أن كل من له دراية بتذوق أساليب الأداء ; وكل من له خبرة بتصورات البشر للوجود وللأشياء ; وكل من له خبرة بالنظم والمناهج والنظريات النفسية أو الاجتماعية التي ينشئها البشر . . لا يخالجه شك في أن ما جاء به القرآن في هذه المجالات كلها شيء آخر ليس من مادة ما يصنعه البشر . والمراء في هذا لا ينشأ إلا عن جهالة لا تميز , أو غرض يلبس الحق بالباطل . .

ومن ثم كان هذا التهديد المخيف لمن يعجزون عن هذا التحدي ثم لا يؤمنون بالحق الواضح:

(فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين). .

ففيم هذا الجمع بين الناس والحجارة , في هذه الصورة المفزعة الرعيبة ? لقد أعدت هذه النار للكافرين . الكافرين الذين سبق في أول السورة وصفهم بأنهم (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم , وعلى أبصارهم غشاوة). . والذين يتحداهم القرآن هنا فيعجزون , ثم لا يستجيبون . . فهم إذن حجارة من الحجارة ! وإن تبدوا في صورة آدمية من الوجهة الشكلية ! فهذا الجمع بين الحجارة من الحجر والحجارة من الناس هو الأمر المنتظر !

على أن ذكر الحجارة هنا يوحي إلى النفس بسمة أخرى في المشهد المفزع:مشهد النار التي تأكل الأحجار . ومشهد الناس الذين تزحمهم هذه الأحجار . . في النار . .

الدرس السابع:25 مشهد لنعيم المؤمنين

وفي مقابل ذلك المشهد المفزع يعرض المشهد المقابل . مشهد النعيم الذي ينتظر المؤمنين:

(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار , كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا:هذا الذي رزقنا من قبل , وأتوا به متشابها , ولهم فيها أزواج مطهرة , وهم فيها خالدون). .

وهي ألوان من النعيم يستوقف النظر منها - إلى جانب الأزواج المطهرة - تلك الثمار المتشابهة , التي يخيل إليهم أنهم رزقوها من قبل - أما ثمار الدنيا التي تشبهها بالاسم أو الشكل , وأما ثمار الجنة التي رزقوها من قبل - فربما كان في هذا التشابه الظاهري والتنوع الداخلي مزية المفاجأة في كل مرة . . وهي ترسم جوا من الدعابة الحلوة , والرضى السابغ , والتفكه الجميل , بتقديم المفاجأة بعد المفاجأة , وفي كل مرة ينكشف التشابه الظاهري عن شيء جديد !

وهذا التشابه في الشكل , والتنوع في المزية , سمة واضحة في صنعة الباريء تعالى , تجعل الوجود أكبر في حقيقته من مظهره . ولنأخذ الإنسان وحده نموذجا كاشفا لهذه الحقيقة الكبيرة . . الناس كلهم ناس , من ناحية قاعدة التكوين:رأس وجسم وأطراف . لحم ودم وعظام وأعصاب . عينان وأذنان وفم ولسان . خلايا حية من نوع الخلايا الحية . تركيب متشابه في الشكل والمادة . . ولكن أين غاية المدى في السمات والشيات ? ثم أين غاية المدى في الطباع والاستعدادات ? إن فارق ما بين إنسان وإنسان - على هذا التشابه - ليبلغ أحيانا أبعد مما بين الأرض والسماء !

وهكذا يبدو التنوع في صنعة الباريء هائلا يدير الرؤوس:التنوع في الأنواع والأجناس , والتنوع في الأشكال والسمات , والتنوع في المزايا والصفات . . وكله . . كله مرده إلى الخلية الواحدة المتشابهة التكوين والتركيب .

 

 

إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26)

فمن ذا الذي لا يعبد الله وحده , وهذه آثار صنعته , وآيات قدرته ? ومن ذا الذي يجعل لله اندادا , ويد الإعجاز واضحة الآثار , فيما تراه الأبصار , وفيما لا تدركه الأبصار ?


الدرس الثامن:26 - 27 اختلاف أثر الأمثال القرآنية على المؤمنين والكافرين

بعد ذلك يجيء الحديث عن الأمثال التي يضربها الله في القرآن:

(إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما , بعوضة فما فوقها , فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم , وأما الذين كفروا فيقولون:ماذا أراد الله بهذا مثلا ? يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا , وما يضل به إلا الفاسقين . الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه , ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل , ويفسدون في الأرض . . أولئك هم الخاسرون). .

وهذه الآيات تشي بأن المنافقين الذين ضرب الله لهم مثل الذي استوقد نارا ومثل الصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق - وربما كان اليهود كذلك والمشركون - قد اتخذوا من ورود هذه الأمثال في هذه المناسبة , ومن وجود أمثال أخرى في القرآن المكي الذي سبق نزوله وكان يتلى في المدينة , كالذي ضربه الله مثلا للذين كفروا بربهم (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون). . وكالذي ضربه الله مثلا لعجز آلهتهم المدعاة عن خلق الذباب: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه . ضعف الطالب والمطلوب). .

نقول:إن هذه الآيات تشي بأن المنافقين - وربما كان اليهود والمشركون - قد وجدوا في هذه المناسبة منفذا للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن , بحجة أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا تصدر عن الله , وأن الله لا يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه ! . . وكان هذا طرفا من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة , كما كان يقوم بها المشركون في مكة .

فجاءت هذه الآيات دفعا لهذا الدس , وبيانا لحكمة الله في ضرب الأمثال , وتحذيرا لغير المؤمنين من عاقبة الاستدراج بها , وتطمينا للمؤمنين أن ستزيدهم إيمانا .

(إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما , بعوضة فما فوقها). .

فالله رب الصغير والكبير , وخالق البعوضة والفيل , والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل . إنها معجزة الحياة . معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله . . على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل , إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير . وليس في ضرب الأمثال ما يعاب وما من شأنه الاستحياء من ذكره . والله - جلت حكمته - يريد بها اختبار القلوب , وامتحان النفوس:

(فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم). .

ذلك أن إيمانهم بالله يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بما يليق بجلاله ; وبما يعرفون من حكمته . وقد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم , وحساسية في أرواحهم , وتفتحا في مداركهم , واتصالا بالحكمة الإلهية في كل أمر وفي كل قول يجيئهم من عند الله .

(وأما الذين كفروا فيقولون:ماذا أراد الله بهذا مثلا ?). .

وهو سؤال المحجوب عن نور الله وحكمته , المقطوع الصلة بسنة الله وتدبيره . ثم هو سؤال من لا يرجو للهوقارا , ولا يتأدب معه الأدب اللائق بالعبد أمام تصرفات الرب . يقولونها في جهل وقصور في صيغة الاعتراض والاستنكار , أو في صورة التشكيك في صدور مثل هذا القول عن الله !

هنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير:

(يضل به كثيرا , ويهدي به كثيرا , وما يضل به إلا الفاسقين). .

والله - سبحانه - يطلق الابتلاءات والامتحانات تمضي في طريقها , ويتلقاها عباده , كل وفق طبيعته واستعداده , وكل حسب طريقه ومنهجه الذي اتخذه لنفسه . والابتلاء واحد . . ولكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج والطريق . . الشدة تسلط على شتى النفوس , فأما المؤمن الواثق بالله وحكمته ورحمته فتزيده الشدة التجاء إلى الله وتضرعا وخشية . وأما الفاسق أو المنافق فتزلزله وتزيده من الله بعدا , وتخرجه من الصف إخراجا . والرخاء يسلط على شتى النفوس , فأما المؤمن التقي فيزيد الرخاء يقظة وحساسية وشكرا . وأما الفاسق أو المنافق فتبطره النعمة ويتلفه الرخاء ويضله الابتلاء . . وهكذا المثل الذي يضربه الله للناس . . (يضل به كثيرا). . ممن لا يحسنون استقبال ما يجيئهم من الله , (ويهدي به كثيرا)ممن يدركون حكمة الله . (وما يضل به إلا الفاسقين). . الذين فسقت قلوبهم من قبل وخرجت عن الهدى والحق , فجزاؤهم زيادتهم مما هم فيه !

ويفصل السياق صفة الفاسقين هؤلاء , كما فصل في أول السورة صفة المتقين ; فالمجال ما يزال - في السورة - هو مجال الحديث عن تلك الطوائف , التي تتمثل فيها البشرية في شتى العصور:

(الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه , ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل , ويفسدون في الأرض . أولئك هم الخاسرون). .

فأي عهد من عهود الله هو الذي ينقضون ? وأي أمر مما أمر الله به أن يوصل هو الذي يقطعون ? وأي لون من الفساد في الأرض هو الذي يفسدون ?

لقد جاء السياق هنا بهذا الإجمال لأن المجال مجال تشخيص طبيعة , وتصوير نماذج , لا مجال تسجيل حادثة , أو تفصيل واقعة . . إن الصورة هنا هي المطلوبة في عمومها . فكل عهد بين الله وبين هذا النموذج من الخلق فهو منقوض ; وكل ما أمر الله به أن يوصل فهو بينهم مقطوع ; وكل فساد في الأرض فهو منهم مصنوع . . إن صلة هذا النمط من البشر بالله مقطوعة , وإن فطرتهم المنحرفة لا تستقيم على عهد ولا تستمسك بعروة ولا تتورع عن فساد . إنهم كالثمرة الفجة التي انفصلت من شجرة الحياة , فتعفنت وفسدت ونبذتها الحياة . . ومن ثم يكون ضلالهم بالمثل الذي يهدي المؤمنين ; وتجيء غوايتهم بالسبب الذي يهتدي به المتقون .

وننظر في الآثار الهدامة لهذا النمط من البشر الذي كانت الدعوة تواجهه في المدينة في صورة اليهود والمنافقين والمشركين ; والذي ظلت تواجهه وما تزال تواجهه اليوم في الأرض مع اختلاف سطحي في الأسماء والعنوانات !

(الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه). .

وعهد الله المعقود مع البشر يتمثل في عهود كثيرة:إنه عهد الفطرة المركوز في طبيعة كل حي . . أن يعرف خالقه , وأن يتجه إليه بالعبادة . وما تزال في الفطرة هذه الجوعة للاعتقاد بالله , ولكنها تضل وتنحرف فتتخذ من دون الله أندادا وشركاء . . وهو عهد الاستخلاف في الأرض الذي أخذه الله على آدم - كما

 

 

)الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27

 

سيجيء -: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). . وهو عهوده الكثيرة في الرسالات لكل قوم أن يعبدوا الله وحده , وأن يحكموا في حياتهم منهجه وشريعته . . وهذه العهود كلها هي التي ينقضها الفاسقون . وإذا نقض عهد الله من بعد ميثاقه , فكل عهد دون الله منقوض . فالذي يجرؤ على عهد الله لا يحترم بعده عهدا من العهود .

(ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل). .

والله أمر بصلات كثيرة . . أمر بصلة الرحم والقربى . وأمر بصلة الإنسانية الكبرى . وأمر قبل هذا كله بصلة العقيدة والأخوة الإيمانية , التي لا تقوم صلة ولا وشيجة إلا معها . . وإذا قطع ما أمر الله به أن يوصل فقد تفككت العرى , وانحلت الروابط , ووقع الفساد في الأرض , وعمت الفوضي .

(ويفسدون في الأرض). .

والفساد في الأرض ألوان شتى , تنبع كلها من الفسوق عن كلمة الله , ونقض عهد الله , وقطع ما أمر الله به أن يوصل . ورأس الفساد في الأرض هو الحيدة عن منهجه الذي اختاره ليحكم حياة البشر ويصرفها . هذا مفرق الطريق الذي ينتهي إلى الفساد حتما , فما يمكن أن يصلح أمر هذه الأرض , ومنهج الله بعيد عن تصريفها , وشريعة الله مقصاة عن حياتها . وإذا انقطعت العروة بين الناس وربهم على هذا النحو فهو الفساد الشامل للنفوس والأحوال , وللحياة والمعاش ; وللأرض كلها وما عليها من ناس وأشياء .

إنه الهدم والشر والفساد حصيلة الفسوق عن طريق الله . . ومن ثم يستحق أهله أن يضلهم الله بما يهدي به عباده المؤمنين .

الدرس التاسع:28 - 29 استنكار كفر الكفار بالله

وعند هذا البيان الكاشف لآثار الكفر والفسوق في الأرض كلها يتوجه إلى الناس باستنكار كفرهم بالله المحيي المميت الخالق الرازق المدبر العليم:

(كيف تكفرون بالله , وكنتم أمواتا فأحياكم , ثم يميتكم , ثم يحييكم , ثم إليه ترجعون ? هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ; ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم). .

والكفر بالله في مواجهة هذه الدلائل والآلاء كفر قبيح بشع , مجرد من كل حجة أو سند . . والقرآن يواجه البشر بما لا بد لهم من مواجهته , والاعتراف به , والتسليم بمقتضياته . يواجههم بموكب حياتهم وأطوار وجودهم . لقد كانوا أمواتا فأحياهم . كانوا في حالة موت فنقلهم منها إلى حالة حياة ولا مفر من مواجهة هذه الحقيقة التي لا تفسير لها إلا بالقدرة الخالقة . إنهم أحياء , فيهم حياة . فمن الذي أنشأ لهم هذه الحياة ? من الذي أوجد هذه الظاهرة الجديدة الزائدة على ما في الأرض من جماد ميت ? إن طبيعة الحياة شيء آخر غير طبيعة الموت المحيط بها في الجمادات . فمن أين جاءت ? إنه لا جدوى من الهروب من مواجهة هذا السؤال الذي يلح على العقل والنفس ; ولا سبيل كذلك لتعليل مجيئها بغير قدرة خالقة ذات طبيعة أخرى غير طبيعة المخلوقات . من أين جاءت هذه الحياة التي تسلك في الأرض سلوكا آخر متميزا عن كل ما عداها من الموات ? . . لقد جاءت من عند الله . . هذا هو أقرب جواب . . وإلا فليقل من لا يريد التسليم:أين هو الجواب !

وهذه الحقيقة هي التي يواجه بها السياق الناس في هذا المقام:

 

 

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

(كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ?). .

كنتم أمواتا من هذا الموات الشائع من حولكم في الأرض فأنشا فيكم الحياة(فأحياكم). . فكيف يكفر بالله من تلقى منه الحياة ?

(ثم يميتكم). .

ولعل هذه لا تلقى مراء ولا جدلا , فهي الحقيقة التي تواجه الأحياء في كل لحظة , وتفرض نفسها عليهم فرضا , ولا تقبل المراء فيها ولا الجدال .

(ثم يحييكم). .

وهذه كانوا يمارون فيها ويجادلون ; كما يماري فيها اليوم ويجادل بعض المطموسين , المنتكسين إلى تلك الجاهلية الأولى قبل قرون كثيرة . وهي حين يتدبرون النشأة الأولى , لا تدعو إلى العجب , ولا تدعو إلى التكذيب .

(ثم إليه ترجعون). .

كما بدأكم تعودون , وكما ذرأكم في الأرض تحشرون , وكما انطلقتم بإرادته من عالم الموت إلى عالم الحياة , ترجعون إليه ليمضي فيكم حكمه ويقضي فيكم قضاءه . .

وهكذا في آية واحدة قصيرة يفتح سجل الحياة كلها ويطوى , وتعرض في ومضة صورة البشرية في قبضة الباريء:ينشرها من همود الموت أول مرة , ثم يقبضها بيد الموت في الأولى , ثم يحييها كرة أخرى , وإليه مرجعها في الآخرة , كما كانت منه نشأتها في الأولى . . وفي هذا الاستعراض السريع يرتسم ظل القدرة القادرة , ويلقي في الحس إيحاءاته المؤثرة العميقة .

ثم يعقب السياق بومضة أخرى مكملة للومضة الأولى:

(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ; ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ; وهو بكل شيء عليم). .

ويكثر المفسرون والمتكلمون هنا من الكلام عن خلق الأرض والسماء , يتحدثون عن القبلية والبعدية . ويتحدثون عن الاستواء والتسوية . . وينسون أن "قبل وبعد" اصطلاحان بشريان لا مدلول لهما بالقياس إلى الله تعالى ; وينسون أن الاستواء والتسوية اصطلاحان لغويان يقربان إلى التصور البشري المحدود صورة غير المحدود . . ولا يزيدان . . وما كان الجدل الكلامي الذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التعبيرات القرآنية , إلا آفة من آفات الفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية عند اليهود والنصارى , عند مخالطتها للعقلية العربية الصافية , وللعقلية الإسلامية الناصعة . . وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة , فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام !!

فلنخلص إذن إلى ما وراء هذه التعبيرات من حقائق موحية عن خلق ما في الأرض جميعا للإنسان , ودلالة هذه الحقيقة على غاية الوجود الإنساني , وعلى دوره العظيم في الأرض , وعلى قيمته في ميزان الله , وما وراء هذا كله من تقرير قيمة الإنسان في التصور الإسلامي ; وفي نظام المجتمع الإسلامي . .

(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا). .

إن كلمة(لكم)هنا ذات مدلول عميق وذات إيحاء كذلك عميق . إنها قاطعة في أن الله خلق هذا الإنسان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

 

لأمر عظيم . خلقه ليكون مستخلفا في الأرض , مالكا لما فيها , فاعلا مؤثرا فيها . إنه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض ; والسيد الأول في هذا الميراث الواسع . ودوره في الأرض إذن وفي أحداثها وتطوراتها هو الدور الأول ; إنه سيد الأرض وسيد الآلة ! إنه ليس عبدا للآلة كما هو في العالم المادي اليوم . وليس تابعا للتطورات التي تحدثها الآلة في علاقات البشر وأوضاعهم كما يدعي أنصار المادية المطموسون , الذين يحقرون دور الإنسان ووضعه , فيجعلونه تابعا للآلة الصماء وهو السيد الكريم ! وكل قيمة من القيم المادية لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان , ولا أن تستذله أو تخضعه أو تستعلي عليه ; وكل هدف ينطوي على تصغير قيمة الإنسان , مهما يحقق من مزايا مادية , هو هدف مخالف لغاية الوجود الإنساني . فكرامة الإنسان أولا , واستعلاء الإنسان أولا , ثم تجيء القيم المادية تابعة مسخرة .

والنعمة التي يمتن الله بها على الناس هنا - وهو يستنكر كفرهم به - ليست مجرد الإنعام عليهم بما في الأرض جميعا , ولكنها - إلى ذلك - سيادتهم على ما في الأرض جميعا , ومنحهم قيمة أعلى من قيم الماديات التي تحويها الأرض جميعا . هي نعمة الاستخلاف والتكريم فوق نعمة الملك والانتفاع العظيم .

(ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات). .

ولا مجال للخوض في معنى الاستواء إلا بأنه رمز السيطرة , والقصد بإرادة الخلق والتكوين . كذلك لا مجال للخوض في معنى السماوات السبع المقصودة هنا وتحديد أشكالها وأبعادها . اكتفاء بالقصد الكلي من هذا النص , وهو التسوية للكون أرضه وسمائه في معرض استنكار كفر الناس بالخالق المهيمن المسيطر على الكون , الذي سخر لهم الأرض بما فيها , ونسق السماوات بما يجعل الحياة على الأرض ممكنة مريحة .

(وهو بكل شيء عليم). .

بما أنه الخالق لكل شيء , المدبر لكل شيء . وشمول العلم في هذا المقام كشمول التدبير . حافز من حوافز الإيمان بالخالق الواحد , والتوجه بالعبادة للمدبر الواحد , وإفراد الرازق المنعم بالعبادة اعترافا بالجميل .

وهكذا تنتهي الجولة الأولى في السورة . . وكلها تركيز على الإيمان , والدعوة إلى اختيار موكب المؤمنين المتقين . .

الوحدة الثانية:آياتها:30 - 39 موضوعها:قصة آدم واستخلافه تقديم الوحدة

يرد القصص في القرآن في مواضع ومناسبات . وهذه المناسبات التي يساق القصص من أجلها هي التي تحدد مساق القصة , والحلقة التي تعرض منها , والصورة التي تأتي عليها , والطريقة التي تؤدى بها . تنسيقا للجو الروحي والفكري والفني الذي تعرض فيه . وبذلك تؤدي دورها الموضوعي , وتحقق غايتها النفسية , وتلقي إيقاعها المطلوب .

ويحسب أناس أن هنالك تكرارا في القصص القرآني , لأن القصة الواحدة قد يتكرر عرضها في سور شتى . ولكن النظرة الفاحصة تؤكد أنه ما من قصة , أو حلقة من قصة قد تكررت في صورة واحدة , من ناحية القدر الذي يساق , وطريقة الأداء في السياق . وأنه حيثما تكررت حلقة كان هنالك جديد تؤديه , ينفي حقيقة التكرار .

ويزيغ أناس فيزعمون أن هنالك خلقا للحوادث أو تصرفا فيها , يقصد به إلى مجرد الفن - بمعنى التزويق الذي لا يتقيد بواقع - ولكن الحق الذي يلمسه كل من ينظر في هذا القرآن , وهو مستقيم الفطرة , مفتوح البصيرة , هو أن المناسبة الموضوعية هي التي تحدد القدر الذي يعرض من القصة في كل موضع , كما تحدد طريقة العرض وخصائص الأداء . والقرآن كتاب دعوة , ودستور نظام , ومنهج حياة , لا كتاب رواية ولا تسلية ولا تاريخ . وفي سياق الدعوة يجيء القصص المختار , بالقدر وبالطريقة التي تناسب الجو والسياق , وتحقق الجمال الفني الصادق , الذي لا يعتمد على الخلق والتزويق , ولكن يعتمد على إبداع العرض , وقوة الحق , وجمال الأداء .

وقصص الأنبياء في القرآن يمثل موكب الإيمان في طريقه الممتد الواصل الطويل . ويعرض قصة الدعوة إلى الله واستجابة البشرية لها جيلا بعد جيل ; كما يعرض طبيعة الإيمان في نفوس هذه النخبة المختارة من البشر , وطبيعة تصورهم للعلاقة بينهم وبين ربهم الذي خصهم بهذا الفضل العظيم . . وتتبع هذا الموكب الكريم في طريقه اللاحب يفيض على القلب رضى ونورا وشفافية ; ويشعره بنفاسة هذا العنصر العزيز - عنصر الإيمان - وأصالته في الوجود . كذلك يكشف عن حقيقة التصور الإيماني ويميزه في الحس من سائر التصورات الدخيلة . .

ومن ثم كان القصص شطرا كبيرا من كتاب الدعوة الكريم .

فلننظر الآن في قصة آدم - كما جاءت هنا - في ضوء هذه الإيضاحات . .

إن السياق - فيما سبق - يستعرض موكب الحياة , بل موكب الوجود كله . ثم يتحدث عن الأرض - في معرض آلاء الله على الناس - فيقرر أن الله خلق كل ما فيها لهم . . فهنا في هذا الجو تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض , ومنحه مقاليدها , على عهد من الله وشرط , وإعطائه المعرفة التي يعالج بها هذه الخلافة . كما أنها تمهد للحديث عن استخلاف بني إسرائيل في الأرض بعهد من الله ; ثم عزلهم عن هذه الخلافة وتسليم مقاليدها للأمة المسلمة الوافية بعهد الله [ كما سيجيء ] فتتسق القصة مع الجو الذي تساق فيه كل الاتساق .

فلنعش لحظات مع قصة البشرية الأولى وما وراءها من إيحاءات أصيلة:

الدرس الأول:30 - 39 استخلاف آدم في الأرض على عهد من الله وشرط

ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - في ساحة الملأ الأعلى ; وها نحن أولاء نسمع ونرى قصة البشرية الأولى:

(وإذ قال ربك للملائكة:إني جاعل في الأرض خليفة). .

وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود , زمام هذه الأرض , وتطلق فيها يده , وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين , والتحليل والتركيب , والتحوير والتبديل ; وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات , وكنوز وخامات , وتسخير هذا كله - بإذن الله - في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه .

وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة , والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات , وكنوز وخامات ; ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية .

وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض - وتحكم الكون كله - والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته , كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك ; وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة !

وإذن فهي منزلة عظيمة , منزلة هذا الإنسان , في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة . وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم .

هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل: (إني جاعل في الأرض خليفة). . حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة , ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلف في هذا الملك العريض !

(قالوا:أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء , ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ?). .

ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال , أو من تجارب سابقة في الأرض , أو من إلهام البصيرة , ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق , أو من مقتضيات حياته على الأرض ; وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض , وأنه سيسفك الدماء . . ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق , وإلا السلام الشامل - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له , هو وحده الغاية المطلقة للوجود , وهو وحده العلة الأولى للخلق . . وهو متحقق بوجودهم هم , يسبحون بحمد الله ويقدسون له ,ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته !

لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا , في بناء هذه الأرض وعمارتها , وفي تنمية الحياة وتنويعها , وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها , على يد خليفة الله في أرضه . هذا الذي قد يفسد أحيانا , وقد يسفك الدماء أحيانا , ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل . خير النمو الدائم , والرقي الدائم . خير الحركة الهادمة البانية . خير المحاولة التي لا تكف , والتطلع الذي لا يقف , والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير .

عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء , والخبير بمصائر الأمور:

(قال:إني أعلم ما لا تعلمون). .

(وعلم آدم الأسماء كلها , ثم عرضهم على الملائكة , فقال:أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا:سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا . إنك أنت العليم الحكيم . قال:يا آدم أنبئهم بأسمائهم . فلما أنبأهم بأسمائهم , قال:ألم أقل لكم:إني أعلم غيب السماوات والأرض , وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون). .

ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - نشهد ما شهده الملائكة في الملأ الأعلى . . ها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري , وهو يسلمه مقاليد الخلافة . سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات . سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة . وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض . ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى , لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات , والمشقة في التفاهم والتعامل , حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه . . الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة ! الشأن شأن جبل . فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل ! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس . . . إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة ! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات .

فأما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية , لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم . ومن ثم لم توهب لهم . فلما علم الله آدم هذا السر , وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء . لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص . . وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم , والاعتراف بعجزهم , والإقرار بحدود علمهم , وهو ما علمهم . . وعرف آدم . . ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم:

(قال:ألم أقل لكم:إني أعلم غيب السماوات والأرض , وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ?). .

(وإذ قلنا للملائكة:اسجدوا لآدم . فسجدوا). .

إنه التكريم في أعلى صوره , لهذا المخلوق الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء , ولكنه وهب من الأسرار ما يرفعه على الملائكة . لقد وهب سر المعرفة , كما وهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق . . إن ازدواج طبيعته , وقدرته على تحكيم إرادته في شق طريقه , واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله بمحاولته الخاصة . . إن هذا كله بعض أسرار تكريمه .

ولقد سجد الملائكة امتثالا للأمر العلوي الجليل .

 

 

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)

(إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين). .

وهنا تتبدى خليقة الشر مجسمة:عصيان الجليل سبحانه ! والاستكبار عن معرفة الفضل لأهله . والعزة بالإثم . والاستغلاق عن الفهم .

ويوحي السياق أن إبليس لم يكن من جنس الملائكة , إنما كان معهم . فلو كان منهم ما عصى . وصفتهم الأولى أنهم (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). . والاستثناء هنا لا يدل على أنه من جنسهم , فكونه معهم يجيز هذا الاستثناء , كما تقول:جاء بنو فلان إلا أحمد . وليس منهم إنما هو عشيرهم وإبليس من الجن بنص القرآن , والله خلق الجان من مارج من نار . وهذا يقطع بأنه ليس من الملائكة .

والآن . لقد انكشف ميدان المعركة الخالدة . المعركة بين خليقة الشر في إبليس , وخليفة الله في الأرض . المعركة الخالدة في ضمير الإنسان . المعركة التي ينتصر فيها الخير بمقدار ما يستعصم الإنسان بإرادته وعهده مع ربه , وينتصر فيها الشر بمقدار ما يستسلم الإنسان لشهوته . ويبعد عن ربه:

(وقلنا:يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة , وكلا منها رغدا حيث شئتما , ولا تقربا هذه الشجرة , فتكونا من الظالمين). .

لقد أبيحت لهما كل ثمار الجنة . . إلا شجرة . . شجرة واحدة , ربما كانت ترمز للمحظور الذي لا بد منه في حياة الأرض . فبغير محظور لا تنبت الإرادة , ولا يتميز الإنسان المريد من الحيوان المسوق , ولا يمتحن صبر الإنسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط . فالإرادة هي مفرق الطريق . والذين يستمتعون بلا إرادة هم من عالم البهيمة , ولو بدوا في شكل الآدميين !

(فأزلهما الشيطان عنها , فأخرجهما مما كانا فيه). .

ويا للتعبير المصور:(أزلهما). . إنه لفظ يرسم صورة الحركة التي يعبر عنها . وإنك لتكاد تلمح الشيطان وهو يزحزحهما عن الجنة , ويدفع بأقدامهما فتزل وتهوي !

عندئذ تمت التجربة:نسي آدم عهده , وضعف أمام الغواية . وعندئذ حقت كلمة الله , وصرح قضاؤه:

(وقلنا:اهبطوا . . بعضكم لبعض عدو , ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين). .

وكان هذا إيذانا بانطلاق المعركة في مجالها المقدر لها . بين الشيطان والإنسان . إلى آخر الزمان .

ونهض آدم من عثرته , بما ركب في فطرته , وأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بها .

(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه , إنه هو التواب الرحيم). .

وتمت كلمة الله الأخيرة , وعهده الدائم مع آدم وذريته . عهد الاستخلاف في هذه الأرض , وشرط الفلاح فيها أو البوار .

(قلنا:اهبطوا منها جميعا . فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). .

وانتقلت المعركة الخالدة إلى ميدانها الأصيل , وانطلقت من عقالها ما تهدأ لحظة وما تفتر . وعرف الإنسان في فجر البشرية كيف ينتصر إذا شاء الانتصار , وكيف ينكسر إذا اختار لنفسه الخسار . . .

دروس واستنباطات من قصة آدم

وبعد فلا بد من عودة إلى مطالع القصة . قصة البشرية الأولى .

لقد قال الله تعالى للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة). . وإذن فآدم مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى . ففيم إذن كانت تلك الشجرة المحرمة ? وفيم إذن كان بلاء آدم ? وفيم إذن كان الهبوط إلى الأرض , وهو مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى ?

لعلني المح أن هذه التجربة كانت تربية لهذا الخليفة وإعدادا . كانت إيقاظا للقوى المذخورة في كيانه . كانت تدريبا له على تلقي الغواية , وتذوق العاقبة , وتجرع الندامة , ومعرفة العدو , والالتجاء بعد ذلك إلى الملاذ الأمين .

إن قصة الشجرة المحرمة , ووسوسة الشيطان باللذة , ونسيان العهد بالمعصية , والصحوة من بعد السكرة , والندم وطلب المغفرة . . إنها هي هي تجربة البشرية المتجددة المكرورة !

لقد اقتضت رحمة الله بهذا المخلوق أن يهبط إلى مقر خلافته , مزودا بهذه التجربة التي سيتعرض لمثلها طويلا , استعدادا للمعركة الدائبة وموعظة وتحذيرا . .

وبعد . . مرة أخرى . . فأين كان هذا الذي كان ? وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا من الزمان ? ومن هم الملائكة ? ومن هو إبليس ? . . كيف قال الله تعالى لهم ? وكيف أجابوه ? . . .

هذا وأمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه ; وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه وطبيعته , فلم يهب لهم القدرة على إدراكه والإحاطة به , بالأداة التي وهبهم إياها لخلافة الأرض , وليس من مستلزمات الخلافة أن نطلع على هذا الغيب . وبقدر ما سخر الله للإنسان من النواميس الكونية وعرفه بأسرارها , بقدر ما حجب عنه أسرار الغيب , فيما لا جدوى له في معرفته . وما يزال الإنسان مثلا على الرغم من كل ما فتح له من الأسرار الكونية يجهل ما وراء اللحظة الحاضرة جهلا مطلقا , ولا يملك بأي أداة من أدوات المعرفة المتاحة له أن يعرف ماذا سيحدث له بعد لحظة , وهل النفس الذي خرج من فمه عائد أم هو آخر أنفاسه ? وهذا مثل من الغيب المحجوب عن البشر , لأنه لا يدخل في مقتضيات الخلافة , بل ربما كان معوقا لها لو كشف للإنسان عنه ! وهنالك الوان من مثل هذه الأسرار المحجوبة عن الإنسان , في طي الغيب الذي لا يعلمه إلا الله .

ومن ثم لم يعد للعقل البشري أن يخوض فيه , لأنه لا يملك الوسيلة للوصول إلى شيء من أمره . وكل جهد يبذل في هذه المحاولة هو جهد ضائع , ذاهب سدى , بلا ثمرة ولا جدوى .

وإذا كان العقل البشري لم يوهب الوسيلة للاطلاع على هذا الغيب المحجوب ; فليس سبيله إذن أن يتبجح فينكر . . فالإنكار حكم يحتاج إلى المعرفة . والمعرفة هنا ليست من طبيعة العقل , وليست في طوق وسائله , ولا هي ضرورية له في وظيفته !

إن الاستسلام للوهم والخرافة شديد الضرر بالغ الخطورة . ولكن أضر منه وأخطر , التنكر للمجهول كله وإنكاره , واستبعاد الغيب لمجرد عدم القدرة على الإحاطة به . . إنها تكون نكسة إلى عالم الحيوان الذي يعيش في المحسوس وحده , ولا ينفذ من أسواره إلى الوجود الطليق .

فلندع هذا الغيب إذن لصاحبه , وحسبنا ما يقص لنا عنه , بالقدر الذي يصلح لنا في حياتنا , ويصلح سرائرنا ومعاشنا . ولنأخذ من القصة ما تشير إليه من حقائق كونية وإنسانية , ومن تصور للوجود وارتباطاته , ومن إيحاء بطبيعة الإنسان وقيمه وموازينه . . فذلك وحده أنفع للبشرية وأهدى .

 

 

) قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39

 

وفي اختصار يناسب ظلال القرآن سنحاول أن نمر بهذه الإيحاءات والتصورات والحقائق مرورا مجملا سريعا .

إن أبرز إيحاءات قصة آدم - كما وردت في هذا الموضع - هو القيمة الكبرى التي يعطيها التصور الإسلامي للإنسان ولدوره في الأرض , ولمكانه في نظام الوجود , وللقيم التي يوزن بها . ثم لحقيقة ارتباطه بعهد الله , وحقيقة هذا العهد الذي قامت خلافته على أساسه . .

وتتبدى تلك القيمة الكبرى التي يعطيها التصور الإسلامي للإنسان في الإعلان العلوي الجليل في الملأ الأعلى الكريم , أنه مخلوق ليكون خليفة في الأرض ; كما تتبدى في أمر الملائكة بالسجود له . وفي طرد إبليس الذي استكبر وأبى , وفي رعاية الله له أولا وأخيرا . .

ومن هذه النظرة للإنسان تنبثق جملة اعتبارات ذات قيمة كبيرة في عالم التصور وفي عالم الواقع على السواء .

وأول اعتبار من هذه الاعتبارات هو أن الإنسان سيد هذه الأرض , ومن أجله خلق كل شيء فيها - كما تقدم ذلك نصا - فهو إذن أعز وأكرم وأغلى من كل شيء مادي , ومن كل قيمة مادية في هذه الأرض جميعا . ولا يجوز إذن أن يستعبد أو يستذل لقاء توفير قيمة مادية أو شيء مادي . . لا يجوز أن يعتدي على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة , ولا أن تهدر أية قيمة من قيمه لقاء تحقيق أي كسب مادي , أو إنتاج أي شيء مادي , أو تكثير أي عنصر مادي . . فهذه الماديات كلها مخلوقة - أو مصنوعة - من أجله . من أجل تحقيق إنسانيته . من أجل تقريروجوده الإنساني . فلا يجوز إذن أن يكون ثمنها هو سلب قيمة من قيمه الإنسانية , أو نقص مقوم من مقومات كرامته .

والاعتبار الثاني هو أن دور الإنسان في الأرض هو الدور الأول . فهو الذي يغير ويبدل في أشكالها وفي ارتباطاتها ; وهو الذي يقود اتجاهاتها ورحلاتها . وليست وسائل الإنتاج ولا توزيع الإنتاج , هي التي تقود الإنسان وراءها ذليلا سلبيا كما تصوره المذاهب المادية التي تحقر من دور الإنسان وتصغر , بقدر ما تعظم في دور الآلة وتكبر !

إن النظرة القرآنية تجعل هذا الإنسان بخلافته في الأرض , عاملا مهما في نظام الكون , ملحوظا في هذا النظام . فخلافته في الأرض تتعلق بارتباطات شتى مع السماوات ومع الرياح ومع الأمطار , ومع الشموس والكواكب . . وكلها ملحوظ في تصميمها وهندستها إمكان قيام الحياة على الأرض , وإمكان قيام هذا الإنسان بالخلافة . . فأين هذا المكان الملحوظ من ذلك الدور الذليل الصغير الذي تخصصه له المذاهب المادية , ولا تسمح له أن يتعداه ? !

وما من شك أن كلا من نظرة الإسلام هذه ونظرة المادية للإنسان تؤثر في طبيعة النظام الذي تقيمه هذه وتلك للإنسان ; وطبيعة احترام المقومات الإنسانية أو إهدارها ; وطبيعة تكريم هذا الإنسان أو تحقيره . . وليس ما نراه في العالم المادي من إهدار كل حريات الإنسان وحرماته ومقوماته في سبيل توفير الإنتاج المادي وتكثيره , إلا أثرا من آثار تلك النظرة إلى حقيقة الإنسان , وحقيقة دوره في هذه الأرض !

كذلك ينشأ عن نظرة الإسلام الرفيعة إلى حقيقة الإنسان ووظيفته إعلاء القيم الأدبية في وزنه وتقديره , وإعلاء قيمة الفضائل الخلقية , وتكبير قيم الإيمان والصلاح والإخلاص في حياته . فهذه هي القيم التي يقوم عليها عهد استخلافه: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . . .)وهذه القيم أعلى وأكرم من جميع القيم المادية - هذا مع أن من مفهوم الخلافة تحقيق هذه القيم المادية , ولكن بحيث لاتصبح هي الأصل ولا تطغى على تلك القيم العليا - ولهذا وزنه في توجيه القلب البشري إلى الطهارة والارتفاع والنظافة في حياته . بخلاف ما توحيه المذاهب المادية من استهزاء بكل القيم الروحية , وإهدار لكل القيم الأدبية , في سبيل الاهتمام المجرد بالإنتاج والسلع ومطالب البطون كالحيوان !

وفي التصور الإسلامي اعلاء من شأن الإرادة في الإنسان فهي مناط العهد مع الله , وهي مناط التكليف والجزاء . . إنه يملك الارتفاع على مقام الملائكة بحفظ عهده مع ربه عن طريق تحكيم إرادته , وعدم الخضوع لشهواته , والاستعلاء على الغواية التي توجه إليه . بينما يملك أن يشقي نفسه ويهبط من عليائه , بتغليب الشهوة على الإرادة , والغواية على الهداية , ونسيان العهد الذي يرفعه إلى مولاه . وفي هذا مظهر من مظاهر التكريم لا شك فيه , يضاف إلى عناصر التكريم الأخرى . كما أن فيه تذكيرا دائما بمفرق الطريق بين السعادة والشقاوة , والرفعة والهبوط , ومقام الإنسان المريد ودرك الحيوان المسوق !

وفي أحداث المعركة التي تصورها القصة بين الإنسان والشيطان مذكر دائم بطبيعة المعركة . إنها بين عهد الله وغواية الشيطان بين الإيمان والكفر . بين الحق والباطل . بين الهدى والضلال . . والإنسان هو نفسه ميدان المعركة . وهو نفسه الكاسب أو الخاسر فيها . وفي هذا إيحاء دائم له باليقظة ; وتوجيه دائم له بأنه جندي في ميدان ; وأنه هو صاحب الغنيمة أو السلب في هذا الميدان !

وأخيرا تجيء فكرة الإسلام عن الخطيئة والتوبة . . إن الخطيئة فردية والتوبة فردية . في تصور واضح بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض . . ليست هنالك خطيئة مفروضة على الإنسان قبل مولده - كما تقول نظرية الكنيسة - وليس هنالك تكفير لاهوتي , كالذي تقول الكنيسة إن عيسى - عليه السلام - [ ابن الله بزعمهم ] قام به بصلبه , تخليصا لبني آدم من خطيئة آدم ! . . كلا ! خطيئة آدم كانت خطيئته الشخصية , والخلاص منها كان بالتوبة المباشرة في يسر وبساطة . وخطيئة كل ولد من أولاده خطيئة كذلك شخصية , والطريق مفتوح للتوبة في يسر وبساطة . . تصور مريح صريح . يحمل كل إنسان وزره , ويوحي إلى كل إنسان بالجهد والمحاولة وعدم اليأس والقنوط . . (إن الله تواب رحيم). .

هذا طرف من إيحاءات قصة آدم - في هذا الموضع - نكتفي به في ظلال القرآن . وهو وحده ثروة من الحقائق والتصورات القويمة ; وثروة من الإيحاءات والتوجيهات الكريمة ; وثروة من الأسس التي يقوم عليها تصور اجتماعي وأوضاع اجتماعية , يحكمها الخلق والخير والفضيلة . ومن هذا الطرف نستطيع أن ندرك أهمية القصص القرآني في تركيز قواعد التصور الإسلامي ; وإيضاح القيم التي يرتكز عليها . وهي القيم التي تليق بعالم صادر عن الله , متجه إلى الله , صائر إلى الله في نهاية المطاف . . عقد الاستخلاف فيه قائم على تلقي الهدى من الله , والتقيد بمنهجه في الحياة . ومفرق الطريق فيه أن يسمع الإنسان ويطيع لما يتلقاه من الله , أو أن يسمع الإنسان ويطيع لما يمليه عليه الشيطان . وليس هناك طريق ثالث . . إما الله وإما الشيطان . إما الهدى وإما الضلال . إما الحق وإما الباطل . إما الفلاح وإما الخسران . . وهذه الحقيقة هي التي يعبر عنها القرآن كله , بوصفها الحقيقة الأولى , التي تقوم عليها سائر التصورات , وسائر الأوضاع في عالم الإنسان .

 

 

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (42)

 

الوحدة الثالثة آياتها:40 - 74 موضوعها:قصة بني إسرائيل ونكثهم عهد الله وحرمانهم من الخلافة تقديم الوحدة الثالثة

ابتداء من هذا المقطع في السورة يواجه السياق بني إسرائيل , وأولئك الذين واجهوا الدعوة في المدينة مواجهة نكرة ; وقاوموها مقاومة خفية وظاهرة ; وكادوا لها كيدا موصولا , لم يفتر لحظة منذ أن ظهر الإسلام بالمدينة ; وتبين لهم أنه في طريقه إلى الهيمنة على مقاليدها , وعزلهم من القيادة الأدبية والاقتصادية التي كانت لهم , مذ وحد الأوس والخزرج , وسد الثغرات التي كانت تنفذ منها يهود , وشرع لهم منهجا مستقلا , يقوم على أساس الكتاب الجديد . . هذه المعركة التي شنها اليهود على الإسلام والمسلمين منذ ذلكالتاريخ البعيد ثم لم يخب أوارها حتى اللحظة الحاضرة , بنفس الوسائل , ونفس الأساليب , لا يتغير إلا شكلها ; أما حقيقتها فباقية , وأما طبيعتها فواحدة , وذلك على الرغم من أن العالم كله كان يطاردهم من جهة إلى جهة , ومن قرن إلى قرن , فلا يجدون لهم صدرا حنونا إلا في العالم الإسلامي المفتوح , الذي ينكر الاضطهادات الدينية والعنصرية , ويفتح أبوابه لكل مسالم لا يؤذي الإسلام ولا يكيد للمسلمين !

ولقد كان المنتظر أن يكون اليهود في المدينة هم أول من يؤمن بالرسالة الجديدة ويؤمن للرسول الجديد ; مذ كان القرآن يصدق ما جاء في التوراة في عمومه ; ومذ كانوا هم يتوقعون رسالة هذا الرسول , وعندهم أوصافه في البشارات التي يتضمنها كتابهم ; وهم كانوا يستفتحون به على العرب المشركين .

وهذا الدرس هو الشطر الأول من هذه الجولة الواسعة مع بني إسرائيل ; بل هذه الحملة الشاملة لكشف موقفهم وفضح كيدهم ; بعد استنفاد كل وسائل الدعوة معهم لترغيبهم في الإسلام , والانضمام إلى موكب الإيمان بالدين الجديد .

تناسق موضوعات الوحدة الثالثة

يبدأ هذا الدرس بنداء علوي جليل إلى بني إسرائيل , يذكرهم بنعمته - تعالى - عليهم ويدعوهم إلى الوفاء بعهدهم معه ليوفي بعهده معهم , وإلى تقواه وخشيته ; يمهد بها لدعوتهم إلى الإيمان بما أنزله مصدقا لما معهم . ويندد بموقفهم منه , وكفرهم به أول من يكفر ! كما يندد بتلبيسهم الحق بالباطل وكتمان الحق ليموهوا على الناس - وعلى المسلمين خاصة - ويشيعوا الفتنة والبلبلة في الصف الإسلامي , والشك والارتياب في نفوس الداخلين في الإسلام الجديد . ويأمرهم أن يدخلوا في الصف . فيقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويركعوا مع الراكعين , مستعينين على قهر نفوسهم وتطويعها للاندماج في الدين الجديد بالصبر والصلاة . وينكر عليهم أن يكونوا يدعون المشركين إلى الإيمان , وهم في الوقت ذاته يأبون أن يدخلوا في دين الله مسلمين !

ثم يبدأ في تذكيرهم بنعم الله التي أسبغها عليهم في تاريخهم الطويل . مخاطبا الحاضرين منهم كما لو كانوا هم الذين تلقوا هذه النعم على عهد موسى - عليه السلام - وذلك باعتبار أنهم أمة واحدة متضامنة الأجيال , متحدة الجبلة . كما هم في حقيقة الأمر وفق ما بدا من صفاتهم ومواقفهم في جميع العصور !

ويعاود تخويفهم باليوم الذي يخاف , حيث لا تجزيء نفس عن نفس شيئا , ولا يقبل منها شفاعة , ولا يؤخذ منها فدية , ولا يجدون من ينصرهم ويعصمهم من العذاب .

ويستحضر أمام خيالهم مشهد نجاتهم من فرعون وملئه كأنه حاضر . ومشهد النعم الأخرى التي ظلت تتوالى عليهم من تظليل الغمام إلى المن والسلوى إلى تفجير الصخر بالماء . . ثم يذكرهم بما كان منهم بعد ذلك من انحرافات متوالية , ما يكاد يردهم عن واحدة منها حتى يعودوا إلى أخرى , وما يكاد يعفو عنهم من معصية حتى يقعوا في خطيئة , وما يكادون ينجون من عثرة حتى يقعوا في حفرة . . ونفوسهم هي هي في التوائها وعنادها وإصرارها على الالتواء والعناد , كما أنها هي هي في ضعفها عن حمل التكاليف , ونكولها عن الأمانة , ونكثها للعهد , ونقضها للمواثيق مع ربها ومع نبيها . . حتى لتبلغ أن تقتل أنبياءها بغير الحق , وتكفر بآيات ربها , وتعبد العجل وتجدف في حق الله فترفض الإيمان لنبيها حتى ترى الله جهرة ; وتخالف عما أوصاها به الله وهي تدخل القرية فتفعل وتقول غير ما أمرت به ; وتعتدي في السبت , وتنسى ميثاق الطور , وتماحل وتجادل في ذبح البقرة التي أمر الله بذبحها لحكمة خاصة . . .

وهذا كله مع الإدعاء العريض بأنها هي وحدها المهتدية ; وأن الله لا يرضى إلا عنها , وأن جميع الأديان باطلة وجميع الأمم ضالة عداها ! مما يبطله القرآن في هذه الجولة , ويقرر أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من جميع الملل , فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . .

حكمة الحديث المطول عن اليهود

هذه الحملة - سواء ما ورد منها في هذا الدرس وما يلي منها في سياق السورة - كانت ضرورية أولا وقبل كل شيء لتحطيم دعاوى يهود , وكشف كيدها , وبيان حقيقتها وحقيقة دوافعها في الدس للإسلام والمسلمين . كما كانت ضرورية لتفتيح عيون المسلمين وقلوبهم لهذه الدسائس والمكايد التي توجه إلى مجتمعهم الجديد , وإلى الأصول التي يقوم عليها ; كما توجه إلى وحدة الصف المسلم لخلخلته وإشاعة الفتنة فيه .

ومن جانب آخر كانت ضرورية لتحذير المسلمين من مزالق الطريق التي عثرت فيها أقدام الأمة المستخلفة قبلهم , فحرمت مقام الخلافة , وسلبت شرف القيام على أمانة الله في الأرض , ومنهجه لقيادة البشر . وقد تخللت هذه الحملة توجيهات ظاهرة وخفية للمسلمين لتحذيرهم من تلك المزالق كما سيجيء في الشطر الثاني منها .

وما كان أحوج الجماعة المسلمة في المدينة إلى هذه وتلك . وما أحوج الأمة المسلمة في كل وقت إلى تملي هذه التوجيهات , وإلى دراسة هذا القرآن بالعين المفتوحة والحس البصير , لتتلقى منه تعليمات القيادة الإلهية العلوية في معاركها التي تخوضها مع أعدائها التقليديين ; ولتعرف منها كيف ترد على الكيد العميق الخبيث الذي يوجهونه إليها دائبين , بأخفى الوسائل , وأمكر الطرق . وما يملك قلب لم يهتد بنور الإيمان , ولم يتلق التوجيه من تلك القيادة المطلعة على السر والعلن والباطن والظاهر , أن يدرك المسالك والدروب الخفية الخبيثة التي يتدسس فيها ذلك الكيد الخبيث المريب . . .

تناسق الحديث عن اليهود مع السياق

ثم نلحظ من جانب التناسق الفني والنفسي في الأداء القرآني , أن بدء هذه الجولة يلتحم بختام قصة آدم , وبالإيحاءات التي أشرنا إليها هناك , وهذا جانب من التكامل في السياق القرآني بين القصص والوسط الذي تعرض فيه:

لقد مضى السياق قبل ذلك بتقرير أن الله خلق ما في الأرض جميعا للإنسان . ثم بقصة استخلاف آدم في الأرض بعهد الله الصريح الدقيق ; وتكريمه على الملائكة ; والوصية والنسيان , والندم والتوبة , والهداية والمغفرة , وتزويده بالتجربة الأولى في الصراع الطويل في الأرض , بين قوى الشر والفساد والهدم ممثلة في إبليس , وقوى الخير والصلاح والبناء ممثلة في الإنسان المعتصم بالإيمان .

مضى السياق بهذا كله في السورة . ثم أعقبه بهذه الجولة مع بني إسرائيل , فذكر عهد الله معهم ونكثهم له ; ونعمته عليهم وجحودهم بها ; ورتب على هذا حرمانهم من الخلافة , وكتب عليهم الذلة , وحذر المؤمنين كيدهم كما حذرهم مزالقهم . فكانت هناك صلة ظاهرة بين قصة استخلاف آدم وقصة استخلاف بني إسرائيل , واتساق في السياق واضح وفي الأداء .

والقرآن لا يعرض هنا قصة بني إسرائيل , إنما يشير إلى مواقف منها ومشاهد باختصار أو بتطويل مناسب . وقد وردت القصة في السور المكية التي نزلت قبل هذا , ولكنها هناك كانت تذكر - مع غيرها - لتثبيت القلة المؤمنة في مكة بعرض تجارب الدعوة وموكب الإيمان الواصل منذ أول الخليقة , وتوجيه الجماعة المسلمة بما يناسب ظروفها في مكة . فأما هنا فالقصد هو ما أسلفنا من كشف حقيقة نوايا اليهود ووسائلهم وتحذير الجماعة المسلمة منها , وتحذيرها كذلك من الوقوع في مثل ما وقعت فيه قبلها يهود . . وبسبب اختلاف الهدف بين القرآن المكي والقرآن المدني اختلفت طريقة العرض ; وإن كانت الحقائق التي عرضت هنا وهناك عن انحراف بني إسرائيل ومعصيتهم واحدة [ كما سيجيء عند استعراض السور المكية السابقة في ترتيب النزول ] .

ومن مراجعة المواضع التي وردت فيها قصة بني إسرائيل هنا وهناك يتبين أنها متفقة مع السياق الذي عرضت فيه , متممة لأهدافه وتوجيهاته . . وهي هنا متسقة مع السياق قبلها . سياق تكريم الإنسان , والعهد إليه والنسيان . متضمنة إشارات إلى وحدة الإنسانية , ووحدة دين الله المنزل إليها , ووحدة رسالاته , مع لفتات ولمسات للنفس البشرية ومقوماتها , وإلى عواقب الانحراف عن هذه المقومات التي نيطت بها خلافة الإنسان في الأرض ; فمن كفر بها كفر بإنسانيته وفقد أسباب خلافته , وارتكس في عالم الحيوان .

وقصة بني إسرائيل هي أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم ; والعناية بعرض مواقفها وعبرتها عناية ظاهرة , توحي بحكمة الله في علاج أمر هذه الأمة المسلمة , وتربيتها وإعدادها للخلافة الكبرى . .

فلننظر بعد هذا الإجمال في استعراض النص القرآني:

الدرس الأول:40 - 46:توجيهات قرآنية لليهود

(يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم , وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون . وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم , ولا تكونوا أول كافر به , ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا , وإياي فاتقون . ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين . أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ? أفلا تعقلون ? واستعينوا بالصبر والصلاة , وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين . الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم , وأنهم إليه راجعون). .

إن المستعرض لتاريخ بني إسرائيل ليأخذه العجب من فيض الآلاء التي أفاضها الله عليهم , ومن الجحود المنكر المتكرر الذي قابلوا به هذا الفيض المدرار . . وهنا يذكرهم الله بنعمته التي انعمها عليهم إجمالا , قبل البدء في تفصيل بعضها في الفقر التالية . يذكرهم بها ليدعوهم بعدها إلى الوفاء بعهدهم معه - سبحانه - كي يتم عليهم النعمة ويمد لهم في الآلاء:

(يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم , وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم). .

فأي عهد هذا الذي يشار إليه في هذا المقام ? أهو العهد الأول , عهد الله لآدم: (فإما يأتينكم مني هدى , فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). . ? أم هو العهد الكوني السابق على عهد الله هذا مع آدم . العهد المعقود بين فطرة الإنسان وبارئه:أن يعرفه ويعبده وحده لا شريك له . وهو العهد الذي لا يحتاج إلى بيان , ولا يحتاج إلى برهان , لأن فطرة الإنسان بذاتها تتجه إليه بأشواقها اللدنية , ولا يصدها عنه إلا الغواية والانحراف ? أم هو العهدالخاص الذي قطعه الله لإبراهيم جد إسرائيل . والذي سيجيء في سياق السورة:(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن , قال:إني جاعلك للناس إماما , قال:ومن ذريتي ? قال:لا ينال عهدي الظالمين). . ? أم هو العهد الخاص الذي قطعه الله على بني إسرائيل وقد رفع فوقهم الطور , وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة والذي سيأتي ذكره في هذه الجولة ?

إن هذه العهود جميعا إن هي إلا عهد واحد في صميمها . إنه العهد بين الباريء وعباده أن يصغوا قلوبهم إليه , وأن يسلموا أنفسهم كلها له . وهذا هو الدين الواحد . وهذا هو الإسلام الذي جاء به الرسل جميعا ; وسار موكب الإيمان يحمله شعارا له على مدار القرون .

ووفاء بهذا العهد يدعو الله بني إسرائيل أن يخافوه وحده وأن يفردوه بالخشية:

(وإياي فارهبون). .

ووفاء بهذا العهد كذلك يدعو الله بني إسرائيل أن يؤمنوا بما أنزله على رسوله , مصدقا لما معهم ; وألا يسارعوا إلى الكفر به , فيصبحوا أول الكافرين ; وكان ينبغي أن يكونوا أول المؤمنين:

(وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به). .

فما الإسلام الذي جاء به محمد [ ص ] إلا الدين الواحد الخالد . جاء به في صورته الأخيرة ; وهو امتداد لرسالة الله , ولعهد الله منذ البشرية الأولى , يضم جناحيه على ما مضى , ويأخذ بيد البشرية فيما سيأتي ; ويوحد بين "العهد القديم" و "العهد الجديد" ويضيف ما أراده الله من الخير والصلاح للبشرية في مستقبلها الطويل ; ويجمع بذلك بين البشر كلهم إخوة متعارفين ; يلتقون على عهد الله , ودين الله ; لا يتفرقون شيعا وأحزابا , وأقواما وأجناسا ; ولكن يلتقون عبادا لله , مستمسكين جميعا بعهده الذي لا يتبدل منذ فجر الحياة .

وينهى الله بني إسرائيل أن يكون كفرهم بما أنزله مصدقا لما معهم , شراء للدنيا بالآخرة , وإيثارا لما بين أيديهم من مصالح خاصة لهم - وبخاصة أحبارهم الذي يخشون أن يؤمنوا بالإسلام فيخسروا رياستهم , وما تدره عليهم من منافع وإتاوات - ويدعوهم إلى خشيته وحده وتقواه . .

(ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا , وإياي فاتقون). .

والثمن والمال والكسب الدنيوي المادي . . كله شنشنة يهود من قديم !! وقد يكون المقصود بالنهي هنا هو ما يكسبه رؤساؤهم من ثمن الخدمات الدينية والفتاوى المكذوبة , وتحريف الأحكام حتى لا تقع العقوبة على الأغنياء منهم والكبراء , كما ورد في مواضع أخرى , واستبقاء هذا كله في أيديهم بصد شعبهم كله عن الدخول في الإسلام , حيث تفلت منهم القيادة والرياسة . . على أن الدنيا كلها - كما قال بعض الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم في تفسير هذه الآية - ثمن قليل , حين تقاس إلى الإيمان بآيات الله , وإلى عاقبة الإيمان في الآخرة عند الله .

ويمضي السياق يحذرهم ما كانوا يزاولونه من تلبيس الحق بالباطل , وكتمان الحق وهم يعلمونه , بقصد بلبلة الأفكار في المجتمع المسلم , وإشاعة الشك والاضطراب:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44)

 

(ولا تلبسوا الحق بالباطل . وتكتموا الحق وأنتم تعلمون). .

ولقد زاول اليهود هذا التلبيس والتخليط وكتمان الحق في كل مناسبة عرضت لهم , كما فصل القرآن في مواضع منه كثيرة ; وكانوا دائما عامل فتنة وبلبلة في المجتمع الإسلامي , وعامل اضطراب وخلخلة في الصف المسلم . وسيأتي من أمثلة هذا التلبيس الشيء الكثير !

ثم يدعوهم إلى الاندماج في موكب الإيمان , والدخول في الصف , وأداء عباداته المفروضة , وترك هذه العزلة والتعصب الذميم , وهو ما عرفت به يهود من قديم:

(وأقيموا الصلاة , وآتوا الزكاة , واركعوا مع الراكعين). .

ثم ينكر عليهم - وبخاصة أحبارهم - أن يكونوا من الدعاة إلى الإيمان بحكم أنهم أهل كتاب بين مشركين , وهم في الوقت ذاته يصدون قومهم عن الإيمان بدين الله , المصدق لدينهم القديم:

(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ? أفلا تعقلون ?). .

ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل , فإنه في إيحائه للنفس البشرية , ولرجال الدين بصفة خاصة , دائم لا يخص قوما دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل .

إن آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ; يأمرون بالخير ولا يفعلونه ; ويدعون إلى البر ويهملونه ; ويحرفون الكلم عن مواضعه ; ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى , ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص , ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين , لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان ! كما كان يفعل أحبار يهود !

والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه , هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها . وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم , لأنهم يسمعون قولا جميلا , ويشهدون فعلا قبيحا ; فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل ; وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة ; وينطفىء في قلوبهم النور الذي يشع الإيمان ; ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين .

إن الكلمة لتنبعث ميتة , وتصل هامدة , مهما تكن طنانة رنانة متحمسة , إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها . ولن يؤمن إنسان بما يقول حقا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول , وتجسيما واقعيا لما ينطق . . عندئذ يؤمن الناس , ويثق الناس , ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق . . إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها ; وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها . . إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة , لأنها منبثقة من حياة .

والمطابقة بين القول والفعل , وبين العقيدة والسلوك , ليست مع هذا أمرا هينا , ولا طريقا معبدا . إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة . وإلى صلة بالله , واستمداد منه , واستعانة بهديه ; فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيرا ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره , أو عما يدعو إليه غيره . والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته , لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه ; وقد يغالبها مرة ومرة ومرة ; ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى , ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله ; فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي , أقوى من كل قوي . قوي على شهوته وضعفه . قوي على ضروراته واضطراراته . قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه .

 

 

)وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47

ومن ثم يوجه القرآن اليهود الذين كان يواجههم أولا , ويوجه الناس كلهم ضمنا , إلى الاستعانة بالصبر والاستعانة بالصلاة . . وفي حالة اليهود كان مطلوبا منهم أن يؤثروا الحق الذي يعلمونه على المركز الخاص الذي يتمتعون به في المدينة , وعلى الثمن القليل - سواء كان ثمن الخدمات الدينية أو هو الدنيا كلها - وأن يدخلوا في موكب الإيمان وهم يدعون الناس إلى الإيمان ! وكان هذا كله يقتضي قوة وشجاعة وتجردا . واستعانة بالصبر والصلاة:

(واستعينوا بالصبر والصلاة . وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين , الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم , وأنهم إليه راجعون). .

والغالب أن الضمير في أنها ضمير الشأن , أي إن هذه الدعوة إلى الاعتراف بالحق في وجه هذه العوامل كبيرة وصعبة وشاقة , إلا على الخاشعين الخاضعين لله , الشاعرين بخشيته وتقواه , الواثقين بلقائه والرجعة إليه عن يقين .

والاستعانة بالصبر تتكرر كثيرا ; فهو الزاد الذي لا بد منه لمواجهة كل مشقة , وأول المشقات مشقة النزول عن القيادة والرياسة والنفع والكسب احتراما للحق وإيثارا له , واعترافا بالحقيقة وخضوعا لها .

فما الاستعانة بالصلاة ?

إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب . صلة يستمد منها القلب قوة , وتحس فيها الروح صلة ; وتجد فيها النفس زادا أنفس من أعراض الحياة الدنيا . . ولقد كان رسول الله [ ص ] إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة , وهو الوثيق الصلة بربه الموصول الروح بالوحي والإلهام . . وما يزال هذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زادا للطريق , وريا في الهجير , ومددا حين ينقطع المدد , ورصيدا حين ينفد الرصيد . .

واليقين بلقاء الله - واستعمال ظن ومشتقاتها في معنى اليقين كثير في القرآن وفي لغة العرب عامة - واليقين بالرجعة إليه وحده في كل الأمور . . هو مناط الصبر والاحتمال ; وهو مناط التقوى والحساسية . كما أنه مناط الوزن الصحيح للقيم:قيم الدنيا وقيم الآخرة . ومتى استقام الميزان في هذه القيم بدت الدنيا كلها ثمنا قليلا , وعرضا هزيلا ; وبدت الآخرة على حقيقتها , التي لا يتردد عاقل في اختيارها وإيثارها .

وكذلك يجد المتدبر للقرآن في التوجيه الذي قصد به بنو إسرائيل أول مرة , توجيها دائما مستمر الإيحاء للجميع . .

الدرس الثاني:47 - 48:تذكير اليهود وتهديدهم

ومن ثم عودة إلى نداء بني إسرائيل , وتذكيرهم بنعمة الله عليهم , وتخويفهم ذلك اليوم المخيف إجمالا قبل الأخذ في التفصيل:

(يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم , وأني فضلتكم على العالمين . واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا , ولا يقبل منها شفاعة , ولا يؤخذ منها عدل , ولا هم ينصرون).

وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم واختيارهم , فأما بعد ما عتوا عن أمر ربهم , وعصوا أنبياءهم , وجحدوا نعمة الله عليهم , وتخلوا عن التزاماتهم وعهدهم , فقد اعلن الله حكمه عليهم باللعنة والغضب والذلة والمسكنة , وقضى عليهم بالتشريد وحق عليهم الوعيد .

وتذكيرهم بتفضيلهم على العالمين , هو تذكير لهم بما كان لهم من فضل الله وعهده ; وإطماع لهم لينتهزوا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)

 

 

الفرصة المتاحة على يدي الدعوة الإسلامية , فيعودوا إلى موكب الإيمان . وإلى عهد الله ; شكرا على تفضيله لآبائهم , ورغبة في العودة إلى مقام التكريم الذي يناله المؤمنين .

ومع الإطماع في الفضل والنعمة , التحذير من اليوم الذي يأتي وصفه:

(لا تجزي نفس عن نفس شيئا). .

فالتبعة فردية , والحساب شخصي , وكل نفس مسؤولة عن نفسها , ولا تغني نفس عن نفس شيئا . . وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم . مبدأ التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان , وعلى العدل المطلق من الله . وهو أقوم المباديء التي تشعر الإنسان بكرامته , والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره . وكلاهما عامل من عوامل التربية , فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام .

(ولا يقبل منها شفاعة . ولا يؤخذ منها عدل).

فلا شفاعة تنفع يومئذ من لم يقدم إيمانا وعملا صالحا ; ولا فدية تؤخذ منه للتجاوز عن كفره ومعصيته .

(ولا هم ينصرون). .

فما من ناصر يعصمهم من الله , وينجيهم من عذابه . . وقد عبر هنا بالجمع باعتبار مجموع النفوس التي لا تجزي نفس منها عن نفس , ولا يقبل منها شفاعة , ولا يؤخذ منها عدل , وانصرف عن الخطاب في أول الآية إلى صيغة الغيبة في آخرها للتعميم . فهذا مبدأ كلي ينال المخاطبين وغير المخاطبين من الناس أجمعين .

الدرس الثالث:49 - 50:عد بعض نعم الله عليهم

بعدئذ يمضي يعدد آلاء الله عليهم , وكيف استقبلوا هذه الآلاء , وكيف جحدوا وكفروا وحادوا عن الطريق . وفي مقدمة هذه النعم كانت نجاتهم من آل فرعون ومن العذاب الأليم:

(وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب , يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم . وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون). .

إنه يعيد على خيالهم ويستحيي في مشاعرهم صورة الكرب الذي كانوا فيه - باعتبار أنهم أبناء هذا الأصل البعيد - ويرسم أمامهم مشهد النجاة كما رسم أمامهم مشاهد العذاب .

يقول لهم:واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون حالة ما كانوا يديمون عذابكم , [ من سام الماشية أي جعلها سائمة ترعى دائما ] وكأن العذاب كان هو الغذاء الدائم الذي يطعمونهم إياه !! ثم يذكر لونا من هذا العذاب . هو تذبيح الذكور واستيحاء الإناث . كي يضعف ساعد بني إسرائيل وتثقل تبعاتهم !

وقبل أن يعرض مشهد النجاة يعقب بأن ذلك التعذيب كان فيه بلاء من ربهم عظيم . ليلقي في حسهم - وحس كل من يصادف شدة - أن إصابة العباد بالشدة هي امتحان وبلاء , واختبار وفتنة . وأن الذي يستيقظ لهذه الحقيقة يفيد من الشدة , ويعتبر بالبلاء , ويكسب من ورائهما حين يستيقظ . والألم لا يذهب ضياعا إذا أدرك صاحبه أنه يمر بفترة امتحان لها ما بعدها إن أحسن الانتفاع بها . والألم يهون على النفس حين تعيش بهذا التصور وحين تدخر ما في التجربة المؤلمة من زاد للدنيا بالخبرة والمعرفة والصبر والاحتمال , ومن زاد للآخرة باحتسابها عند الله , وبالتضرع لله وبانتظار الفرج من عنده وعدم اليأس من رحمته . . ومن ثم هذا التعقيب الموحى: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم).

 

 

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

فإذا فرغ من التعقيب جاء بمشهد النجاة بعد مشاهد العذاب . .

(وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون). .

وقد وردت تفصيلات هذه النجاة في السور المكية التي نزلت من قبل . أما هنا فهو مجرد التذكير لقوم يعرفون القصة . سواء من القرآن المكي , أو من كتبهم وأقاصيصهم المحفوظة . إنما يذكرهم بها في صورة مشهد , ليستعيدوا تصورها , ويتأثروا بهذا التصور , وكأنهم هم الذين كانوا ينظرون إلى فرق البحر , ونجاة بني إسرائيل بقيادة موسى - عليه السلام - على مشهد منهم ومرأى ! وخاصية الاستحياء هذه من أبرز خصائص التعبير القرآني العجيب .

الدرس الرابع :51 - 54 : عقوبتهم لعبادتهم العجل

ثم يمضي السياق قدما مع رحلة بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ناجين:

(وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة , ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون . ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون . وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون . وإذ قال موسى لقومه:يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل , فتوبوا إلى بارئكم , فاقتلوا أنفسكم , ذلكم خير لكم عند بارئكم , فتاب عليكم , إنه هو التواب الرحيم). .

وقصة اتخاذ بني إسرائيل للعجل , وعبادته في غيبة موسى - عليه السلام - عندما ذهب إلى ميعاد ربه على الجبل , مفصلة في سورة طه السابقة النزول في مكة . وهنا فقط يذكرهم بها , وهي معروفة لديهم . يذكرهم بانحدارهم إلى عبادة العجل بمجرد غيبة نبيهم , الذي أنقذهم باسم الله , من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب . ويصف حقيقة موقفهم في هذه العبادة: (وأنتم ظالمون). . ومن أظلم ممن يترك عبادة الله ووصية نبيه ليعبد عجلا جسدا , وقد أنقذه الله ممن كانوا يقدسون العجول !

ومع هذا فقد عفا الله عنهم , وآتى نبيهم الكتاب - وهو التوراة - فيه فرقان بين الحق والباطل , عسى أن يهتدوا إلى الحق البين بعد الضلال .

ولم يكن بد من التطهير القاسي ; فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تقومها إلا كفارة صارمة , وتأديب عنيف . عنيف في طريقته وفي حقيقته:

(وإذ قال موسى لقومه:يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل , فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم . ذلكم خير لكم عند بارئكم). .

أقتلوا أنفسكم . ليقتل الطائع منكم العاصي . ليطهره ويطهر نفسه . . هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة . . وإنه لتكليف مرهق شاق , أن يقتل الأخ أخاه , فكأنما يقتل نفسه برضاه . ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة , التي لا تتماسك عن شر , ولا تتناهى عن نكر . ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل . وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام ; وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم !

وهنا تدركهم رحمة الله بعد التطهير:

 

 

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

(فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). .

الدرس الخامس:55 - 57:طلبهم رؤية الله وجحودهم النعمة

ولكن إسرائيل هي إسرائيل ! هي هي كثافة حس , ومادية فكر , واحتجابا عن مسارب الغيب . . فإذا هم يطلبون أن يروا الله جهرة , والذي طلب هذا هم السبعون المختارون منهم , الذين اختارهم موسى لميقات ربه - الذي فصلت قصته في السور المكية من قبل - ويرفضون الإيمان لموسى إلا أن يروا الله عيانا . والقرآن يواجههم هنا بهذا التجديف الذي صدر من آبائهم , لينكشف تعنتهم القديم الذي يشابه تعنتهم الجديد مع الرسول الكريم , وطلبهم الخوارق منه , وتحريضهم بعض المؤمنين على طلب الخوارق للتثبت من صدقه:

(وإذ قلتم:يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون . ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون . وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى . كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). . إن الحس المادي الغليظ هو وحده طريقهم إلى المعرفة . . أم لعله التعنت والمعاجزة . .

والآيات الكثيرة , والنعم الإلهية , والعفو والمغفرة . . كلها لا تغير من تلك الطبيعة الجاسية , التي لا تؤمن إلا بالمحسوس , والتي تظل مع ذلك تجادل وتماحل ولا تستجيب إلا تحت وقع العذاب والتنكيل , مما يوحي بأن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادا عميقا . وليس أشد إفسادا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل , والذي يحطم فضائل النفس البشرية , ويحلل مقوماتها , ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد:استخذاء تحت سوط الجلاد , وتمردا حين يرفع عنها السوط , وتبطرا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة . . وهكذا كانت إسرائيل , وهكذا هي في كل حين . .

ومن ثم يجدفون هذا التجديف . ويتعنتون هذا التعنت:

(وإذ قلتم:يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة):

ومن ثم يأخذهم الله جزاء ذلك التجديف , وهم على الجبل في الميقات المعلوم:

(فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون). .

ومرة أخرى تدركهم رحمة الله , وتوهب لهم فرصة الحياة عسى أن يذكروا ويشكروا , ويذكرهم هنا مواجهة بهذه النعمة:

(ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون). .

ويذكرهم برعايته لهم في الصحراء الجرداء حيث يسر لهم طعاما شهيا لا يجهدون فيه ولا يكدون , ووقاهم هجير الصحراء وحر الشمس المحرق بتدبيره اللطيف:

(وظللنا عليكم الغمام , وأنزلنا عليكم المن والسلوى . كلوا من طيبات ما رزقناكم . وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). .

وتذكر الراويات أن الله ساق لهم الغمام يظللهم من الهاجرة . والصحراء بغير مطر ولا سحب , جحيم يفور بالنار , ويقذف بالشواظ . وهي بالمطر والسحاب رخية ندية تصح فيها الأجسام والأرواح . . وتذكر الروايات كذلك أن الله سخر لهم(المن)يجدونه على الأشجار حلوا كالعسل , وسخر لهم(السلوى)وهو طائر السماني يجدونه بوفرة قريب المنال . وبهذا توافر لهم الطعام الجيد , والمقام المريح , وأحلت لهم هذه الطيبات . . ولكن

 

 

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (59)

أتراهم شكروا واهتدوا . . إن التعقيب الأخير في الآية يوحي بأنهم ظلموا وجحدوا . وإن كانت عاقبة ذلك عليهم , فما ظلموا إلا أنفسهم !

(وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). .

الدرس السادس:58 - 59:عقابهم على مخالفة دخولهم القرية

ويمضي السياق في مواجهتهم بما كان منهم من انحراف ومعصية وجحود:

(وإذ قلنا:ادخلوا هذه القرية , فكلوا منها حيث شئتم رغدا , وادخلوا الباب سجدا , وقولوا:حطة . نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين . فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم , فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء , بما كانوا يفسقون). .

وتذكر بعض الروايات أن القرية المقصودة هنا هي بيت المقدس , التي أمر الله بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر أن يدخلوها , ويخرجوا منها العمالقة الذين كانوا يسكنونها , والتي نكص بنو إسرائيل عنها وقالوا: (يا موسى إن فيها قوما جبارين , وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون). . والتي قالوا بشأنها لنبيهم موسى - عليه السلام -: (إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون !). . ومن ثم كتب عليهم ربهم التيه أربعين سنة , حتى نشأ جيل جديد بقيادة يوشع بن نون , فتح المدينة ودخلها . . ولكنهم بدلا من أن يدخلوها سجدا كما أمرهم الله , علامة على التواضع والخشوع , ويقولوا:حطة . . أي حط عنا ذنوبنا واغفر لنا . . دخلوها على غير الهيئة التي أمروا بها , وقالوا قولا آخر غير الذي أمروا به . .

والسياق يواجههم بهذا الحادث في تاريخهم ; وقد كان مما وقع بعد الفترة التي يدور عنها الحديث هنا - وهي عهد موسى - ذلك أنه يعتبر تاريخهم كله وحدة , قديمه كحديثه , ووسطه كطرفيه . . كله مخالفة وتمرد وعصيان وانحراف !

وأيا كان هذا الحادث , فقد كان القرآن يخاطبهم بأمر يعرفونه , ويذكرهم بحادث يعلمونه . . فلقد نصرهم الله فدخلوا القرية المعينة ; وأمرهم أن يدخلوها في هيئة خشوع وخضوع , وأن يدعوا الله ليغفر لهم ويحط عنهم ; ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم , وأن يزيد المحسنين من فضله ونعمته . فخالفوا عن هذا كله كعادة يهود:

(فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم). .

ويخص الذين ظلموا بالذكر . إما لأنهم كانوا فريقا منهم هو الذي بدل وظلم . وإما لتقرير وصف الظلم لهم جميعا , إذا كان قد وقع منهم جميعا .

(فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون). .

والرجز:العذاب . والفسوق:المخالفة والخروج . . وكانت هذه واحدة من أفاعيل بني إسرائيل !

الدرس السابع:60 الإنعام عليهم بالماء في الصحراء

وكما يسر الله لبني إسرائيل الطعام في الصحراء والظل في الهاجرة , كذلك أفاض عليهم الري بخارقة من الخوارق الكثيرة التي أجراها الله على يدي نبيه موسى - عليه السلام - والقرآن يذكرهم بنعمة الله عليهم في هذا المقام , وكيف كان مسلكهم بعد الإفضال والأنعام:

(وإذ استسقى موسى لقومه , فقلنا:اضرب بعصاك الحجر , فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا . قد علم

 

 

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

كل أناس مشربهم . كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين). .

لقد طلب موسى لقومه السقيا . طلبها من ربه فاستجاب له . وأمره أن يضرب حجرا معينا بعصاه , فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعدة أسباط بني إسرائيل , وكانوا يرجعون إلى اثني عشر سبطا بعدة أحفاد يعقوب - وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه - وأحفاد إسرائيل - أو يعقوب - هم المعروفون باسم الأسباط , والذين يرد ذكرهم مكررا في القرآن , وهم رؤوس قبائل بني إسرائيل . وكانوا ما يزالون يتبعون النظام القبلي , الذي تنسب فيه القبيلة إلى رأسها الكبير .

ومن ثم يقول: (قد علم كل أناس مشربهم). . أي العين الخاصة بهم من الاثنتي عشرة عينا . وقيل لهم , على سبيل الإباحة والإنعام والتحذير من الاعتداء والإفساد:

(كلوا واشربوا من رزق الله , ولا تعثوا في الأرض مفسدين). .

الدرس الثامن:61 البنية النفسية لليهود وموقفهم من أداء أمانة التكليف

لقد كانوا بين الصحراء بجدبها وصخورها , والسماء بشواظها ورجومها . فأما الحجر فقد أنبع الله لهم منه الماء , وأما السماء فأنزل لهم منها المن والسلوى:عسلا وطيرا . . ولكن البنية النفسية المفككة , والجبلة الهابطة المتداعية , أبت على القوم أن يرتفعوا إلى مستوى الغاية التي من أجلها أخرجوا من مصر , ومن أجلها ضربوا في الصحراء . . لقد أخرجهم الله - على يدي نبيهم موسى - عليه السلام - من الذل والهوان ليورثهم الأرض المقدسة , وليرفعهم من المهانة والضعة . . وللحرية ثمن , وللعزة تكاليف , وللأمانة الكبرى التي ناطهم الله بها فدية . ولكنهم لا يريدون أن يؤدوا الثمن , ولا يريدون أن ينهضوا بالتكاليف , ولا يريدون أن يدفعوا الفدية . حتى بأن يتركوا مألوف حياتهم الرتيبة الهينة . حتى بأن يغيروا مألوف طعامهم وشرابهم , وأن يكيفوا أنفسهم بظروف حياتهم الجديدة , في طريقهم إلى العزة والحرية والكرامة . إنهم يريدون الأطعمة المنوعة التي ألفوها في مصر . يريدون العدس والثوم والبصل والقثاء . . وما إليها ! وهذا ما يذكرهم القرآن به . وهم يدعون في المدينة دعاواهم العريضة:

(وإذ قلتم:يا موسى لن نصبر على طعام واحد , فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها . قال:أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ? اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم . . وضربت عليهم الذلة والمسكنة , وباؤوا بغضب من الله , ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق . ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). .

ولقد تلقى موسى - عليه السلام - طلبهم بالاستنكار:

(أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ?). .

أتريدون الدنية وقد أراد الله لكم العلية ?

(اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم). .

إما بمعنى أن ما يطلبونه هين زهيد , لا يستحق الدعاء ; فهو موفور في أي مصر من الأمصار , فاهبطوا أية مدينة فإنكم واجدوه فيها . . وإما بمعنى عودوا إذن إلى مصر التي أخرجتم منها . . عودوا إلى حياتكم الدارجة المألوفة . إلى حياتكم الخانعة الذليلة . . حيث تجدون العدس والبصل والثوم والقثاء ! ودعوا الأمور الكبار التي ندبتم لها . . ويكون هذا من موسى - عليه السلام - تأنيبا لهم وتوبيخا .

 

 

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (61) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

وأنا أرجح هذا التأويل الذي استبعده بعض المفسرين , أرجحه بسبب ما أعقبه في السياق من قوله تعالى:

(وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله). .

فإن ضرب الذلة والمسكنة عليهم , وعودتهم بغضب الله , لم يكن - من الناحية التاريخية - في هذه المرحلة من تاريخهم ; إنما كان فيما بعد , بعد وقوع ما ذكرته الآية في ختامها:

(ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله , ويقتلون النبيين بغير الحق . ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).

وقد وقع هذا منهم متأخرا بعد عهد موسى بأجيال . إنما عجل السياق بذكر الذلة والمسكنة والغضب هنا لمناسبته لموقفهم من طلب العدس والبصل والثوم والقثاء ! فناسب أن يكون قول موسى لهم , (اهبطوا مصرا)هو تذكير لهم بالذل في مصر , وبالنجاة منه , ثم هفوة نفوسهم للمطاعم التي ألفوها في دار الذل والهوان !

الدرس التاسع:62:من المقبول من الطوائف الأربعة

ولم يشهد تاريخ أمة ما شهده تاريخ إسرائيل من قسوة وجحود واعتداء وتنكر للهداة . فقد قتلوا وذبحوا ونشروا بالمناشير عددا من أنبيائهم - وهي أشنع فعلة تصدر من أمة مع دعاة الحق المخلصين - وقد كفروا أشنع الكفر , واعتدوا أشنع الاعتداء , وعصوا أبشع المعصية . وكان لهم في كل ميدان من هذه الميادين أفاعيل ليست مثلها أفاعيل !

ومع هذا كله فقد كانت لهم دعاوى عريضة عجيبة . كانوا دائما يدعون أنهم هم وحدهم المهتدون , وهم وحدهم شعب الله المختار , وهم وحدهم الذين ينالهم ثواب الله ; وأن فضل الله لهم وحدهم دون شريك . . وهنا يكذب القرآن هذه الدعوى العريضة , ويقرر قاعدة من قواعده الكلية , التي تتخلل القصص القرآني , أو تسبقه أو تتلوه . يقرر قاعدة وحدة الإيمان . . ووحدة العقيدة , متى انتهت إلى إسلام النفس لله , والإيمان به إيمانا ينبثق منه العمل الصالح . وإن فضل الله ليس حجرا محجورا على عصبية خاصة , إنما هو للمؤمنين أجمعين , في كل زمان وفي كل مكان , كل بحسب دينه الذي كان عليه , حتى تجيء الرسالة التالية بالدين الذي يجب أن يصير المؤمنون إليه:

(إن الذين آمنوا , والذين هادوا , والنصارى , والصابئين - من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا - فلهم أجرهم عند ربهم , ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). .

والذين آمنوا يعني بهم المسلمين . والذين هادوا هم اليهود - إما بمعنى عادوا إلى الله , وإما بمعنى أنهم أولاد يهوذا - والنصارى هم اتباع عيسى - عليه السلام - والصابئون:الأرجح أنهم تلك الطائفة من مشركي العرب قبل البعثة , الذي ساورهم الشك فيما كان عليه قومهم من عبادة الأصنام , فبحثوا لأنفسهم عن عقيدة يرتضونها , فاهتدوا إلى التوحيد , وقالوا:إنهم يتعبدون على الحنيفية الأولى , ملة إبراهيم , واعتزلوا عبادة قومهم دون أن تكون لهم دعوة فيهم . فقال عنهم المشركون:إنهم صبأوا - أي مالوا عن دين آبائهم - كما كانوا يقولون عن المسلمين بعد ذلك . ومن ثم سموا الصابئة . وهذا القول أرجح من القول بأنهم عبدة النجوم كما جاء في بعض التفاسير .

والآية تقرر أن من آمن بالله واليوم الآخر من هؤلاء جميعا وعمل صالحا , فإن لهم أجرهم عند ربهم , ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . فالعبرة بحقيقة العقيدة , لا بعصبية جنس أو قوم . . وذلك طبعا قبل البعثة

 

 

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (64)

المحمدية . أما بعدها فقد تحدد شكل الإيمان الأخير .

الدرس العاشر:63 - 64:تذكريهم برفع الطور فوقهم

ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل في مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين . .

(وإذ أخذنا ميثاقكم , ورفعنا فوقكم الطور:خذوا ما آتيناكم بقوة , واذكروا ما فيه لعلكم تتقون . ثم توليتم من بعد ذلك , فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين). .

وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى , وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد . والمهم هنا هو استحضار المشهد , والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد , وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة . وأن يعزموا فيه عزيمة . فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع , ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة . . إنه عهد الله مع المؤمنين . . وهو جد وحق , فلا سبيل فيه لغير الجد والحق . . وله تكاليف شاقة , نعم ! ولكن هذه هي طبيعته . إنه أمر عظيم . أعظم من كل ما في هذا الوجود . فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه , المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف . ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة , كما قال رسول الله [ ص ] وقد نودي للتكليف:" مضى عهد النوم يا خديجة " . . وكما قال له ربه: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا . . وكما قال لبني إسرائيل:

(خذوا ما آتيناكم بقوة). (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون). .

ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم . . لا بد مع هذا من تذكر ما فيه , واستشعار حقيقته , والتكيف بهذه الحقيقة , كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة . فعهد الله منهج حياة , منهج يستقر في القلب تصورا وشعورا , ويستقر في الحياة وضعا ونظاما , ويستقر في السلوك أدبا وخلقا , وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير .

ولكن هيهات ! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها , وغلبت عليها جبلتها:

(ثم توليتم من بعد ذلك). .

ثم أدركتها رحمة الله مرة أخرى وشملها فضله العظيم ; فأنقذها من الخسار المبين:

(فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين). .

الدرس الحادي عشر:65 - 66:تذكريهم بمسخ المعتدين في السبت

ومرة أخرى يواجههم بمظهر من مظاهر النكث والنكسة , والتحلل من العهد والعجز عن الاستمساك به , والضعف عن احتمال تكاليفه , والضعف أمام الهوى أو النفع القريب:

(ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت:فقلنا لهم:كونوا قردة خاسئين , فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها , وموعظة للمتقين). .

وقد فصل القرآن حكاية اعتدائهم في السبت في موضع آخر فقال: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا , ويوم لا يسبتون لا تأتيهم). . فلقد طلبوا أن يكون لهم يوم راحة مقدس , فجعل الله لهم يوم السبت راحة مقدسا لا يعملون فيه للمعاش . ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان تكثر يوم السبت , وتختفي في غيره ! وكان ابتلاء لم تصمد له يهود ! وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع ?

 

 

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (66)

أتتركه وفاء بعهد واستمساكا بميثاق ? إن هذا ليس من طبع يهود !

ومن ثم اعتدوا في السبت . اعتدوا على طريقتهم الملتوية . راحوا يحوطون على الحيتان في يوم السبت , ويقطعونها عن البحر بحاجز , ولا يصيدونها ! حتى إذا انقضى اليوم تقدموا وانتشلوا السمك المحجوز !

(فقلنا لهم:كونوا قردة خاسئين). .

لقد حق عليهم جزاء النكول عن عهدهم مع الله , والنكوص عن مقام الإنسان ذي الإرادة . فانتكسوا بهذا إلى عالم الحيوان والبهيمة , الحيوان الذي لا إرادة له , والبهيمة التي لا ترتفع على دعوة البطون ! انتكسوا بمجرد تخليهم عن الخصيصة الأولى التي تجعل من الإنسان إنسانا . خصيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهد الله .

وليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم , فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم , وانطباعات الشعور والتفكير تعكس على الوجوه والملامح سمات تؤثر في السحنة وتلقي ظلها العميق !

ومضت هذه الحادثة عبرة رادعة للمخالفين في زمانها وفيما يليه , وموعظة نافعة للمؤمنين في جميع العصور:

(فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين). .

الدرس الثاني عشر:67 - 74:قصة البقرة

وفي نهاية هذا الدرس تجيء قصة "البقرة " . . تجيء مفصلة وفي صورة حكاية , لا مجرد إشارة كالذي سبق , ذلك أنها لم ترد من قبل في السور المكية , كما أنها لم ترد في موضع آخر ; وهي ترسم سمة اللجاجة والتعنت والتلكؤ في الاستجابة , وتمحل المعاذير , التي تتسم بها إسرائيل:

وإذ قال موسى لقومه:إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة . قالوا:أتتخذنا هزوا ? قال:أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قالوا:ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ? قال:إنه يقول:إنها بقرة لا فارض ولا بكر , عوان بين ذلك , فافعلوا ما تؤمرون . قالوا:ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ? قال:إنه يقول:إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين . قالوا:ادع لنا ربك يبين لنا ما هي , إن البقر تشابه علينا , وإنا إن شاء الله لمهتدون . قال:إنه يقول:إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث , مسلمة لا شية فيها . قالوا:الآن جئت بالحق . فذبحوها وما كادوا يفعلون . . وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها , والله مخرج ما كنتم تكتمون . فقلنا:اضربوه ببعضها , كذلك يحيي الله الموتى , ويريكم آياته لعلكم تعقلون . .

وفي هذه القصة القصيرة - كما يعرضها السياق القرآني - مجال للنظر في جوانب شتى . . جانب دلالتها على طبيعة بني إسرائيل وجبلتهم الموروثة . وجانب دلالتها على قدرة الخالق , وحقيقة البعث , وطبيعة الموت والحياة . ثم جانب الأداء الفني في عرض القصة بدءا ونهاية واتساقا مع السياق . .

إن السمات الرئيسية لطبيعة إسرائيل تبدو واضحة في قصة البقرة هذه:انقطاع الصلة بين قلوبهم , وذلك النبع الشفيف الرقراق:نبع الإيمان بالغيب , والثقة بالله , والاستعداد لتصديق ما يأتيهم به الرسل . ثم التلكؤ في الاستجابة للتكاليف , وتلمس الحجج والمعاذير , والسخرية المنبعثة من صفاقة القلب وسلاطة اللسان !

لقد قال لهم نبيهم: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). . وكان هذا القول بهذه الصيغة يكفي للاستجابة والتنفيذ . فنبيهم هو زعيمهم الذي أنقذهم من العذاب المهين , برحمة من الله ورعاية وتعليم ; وهو ينبئهم أن هذا ليس أمره وليس رأيه , إنما هو أمر الله , الذي يسير بهم على هداه . . فماذا كان الجواب ? لقد كان جوابهم سفاهة وسوء أدب , واتهاما لنبيهم الكريم بأنه يهزأ بهم ويسخر منهم ! كأنما يجوز لإنسان يعرف الله -

 

 

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ (68)

فضلا على أن يكون رسول الله - أن يتخذ اسم الله وأمره مادة مزاح وسخرية بين الناس:

(قالوا:أتتخذنا هزوا ?).

وكان رد موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ بالله ; وأن يردهم برفق , وعن طريق التعريض والتلميح , إلى جادة الأدب الواجب في جانب الخالق جل علاه ; وأن يبين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بجاهل بقدر الله , لا يعرف ذلك الأدب ولا يتوخاه:

(قال:أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين). .

وكان في هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم , ويرجعوا إلى ربهم , وينفذوا أمر نبيهم . . ولكنها إسرائيل ! نعم . لقد كان في وسعهم - وهم في سعة من الأمر - أن يمدوا أيديهم إلى أية بقرة فيذبحوها , فإذا هم مطيعون لأمر الله , منفذون لإشارة رسوله . ولكن طبيعة التلكؤ والالتواء تدركهم , فإذا هم يسألون: (قالوا:ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ?). . والسؤال بهذه الصيغة يشي بأنهم ما يزالون في شكهم أن يكون موسى هازئا فيما أنهى إليهم ! فهم أولا:يقولون: (ادع لنا ربك). . فكانما هو ربه وحده لا ربهم كذلك ! وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى وربه ! وهم ثانيا:يطلبون منه أن يدعو ربه ليبين لهم: (ما هي ?)والسؤال عن الماهية في هذا المقام - وإن كان المقصود الصفة - إنكار واستهزاء . . ما هي ? إنها بقرة . وقد قال لهم هذا من أول الأمر بلا تحديد لصفة ولا سمة . بقرة وكفى !

هنا كذلك يردهم موسى إلى الجادة , بأن يسلك في الإجابة طريقا غير طريق السؤال . إنه لا يجبههم بانحرافهم في صيغة السؤال كي لا يدخل معهم في جدل شكلي . . إنما يجيبهم كما ينبغي أن يجيب المعلم المربي من يبتليه الله بهم من السفهاء المنحرفين . يجيبهم عن صفة البقرة:

قال:إنها بقرة لا فارض ولا بكر , عوان بين ذلك . .

إنها بقرة لا هي عجوز ولا هي شابة , وسط بين هذا وذاك . ثم يعقب على هذا البيان المجمل بنصيحة آمرة حازمة:

(فافعلوا ما تؤمرون). .

ولقد كان في هذا كفاية لمن يريد الكفاية ; وكان حسبهم وقد ردهم نبيهم إلى الجادة مرتين , ولمح لهم بالأدب الواجب في السؤال وفي التلقي . أن يعمدوا إلى أية بقرة من أبقارهم , لا عجوز ولا صغيرة , متوسطة السن , فيخلصوا بها ذمتهم , وينفذوا بذبحها أمر ربهم , ويعفوا أنفسهم من مشقة التعقيد والتضييق . . ولكن إسرائيل هي إسرائيل !

لقد راحوا يسألون:

(قالوا:ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ?). .

هكذا مرة أخرى: (ادع لنا ربك)! ولم يكن بد - وقد شققوا الموضوع وطلبوا التفصيل - أن يأتيهم الجواب بالتفصيل:

(قال:إنه يقول , إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين). .

وهكذا ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار - وكانوا من الأمر في سعة - فأصبحوا مكلفين أن يبحثوا لا عن بقرة . . مجرد بقرة . . بل عن بقرة متوسطة السن , لا عجوز ولا صغيرة , وهي بعد هذا صفراء فاقع لونها ;

 

 

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72)

وهي بعد هذا وذلك ليست هزيلة ولا شوهاء: (تسر الناظرين). . وسرور الناظرين لا يتم إلا أن تقع أبصارهم على فراهة وحيوية ونشاط والتماع في تلك البقرة المطلوبة ; فهذا هو الشائع في طباع الناس:أن يعجبوا بالحيوية والاستواء ويسروا , وأن ينفروا من الهزال والتشويه ويشمئزوا .

ولقد كان فيما تلكأوا كفاية , ولكنهم يمضون في طريقهم , يعقدون الأمور , ويشددون على أنفسهم , فيشدد الله عليهم . لقد عادوا مرة أخرى يسألون من الماهية:

(قالوا:ادع لنا ربك يبين لنا ما هي). .

ويعتذرون عن هذا السؤال وعن ذلك التلكؤ بأن الأمر مشكل:

(إن البقر تشابه علينا). .

وكأنما استشعروا لحاجتهم هذه المرة . فهم يقولون:

(وإنا إن شاء الله لمهتدون). .

ولم يكن بد كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيدا , وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصرا وضيقا , بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة , كانوا في سعة منها وفي غنى عنها:

(قال:إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث , مسلمة لا شية فيها). .

وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر . صفراء فاقع لونها فارهة فحسب . بل لم يعد بد أن تكون - مع هذا - بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع ; وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة .

هنا فقط . . وبعد أن تعقد الأمر , وتضاعفت الشروط , وضاق مجال الاختيار:

(قالوا:الآن جئت بالحق). .

الآن ! كأنما كان كل ما مضى ليس حقا . أو كأنهم لم يستيقنوا أن ما جاءهم به هو الحق إلا اللحظة ! (فذبحوها وما كادوا يفعلون)!!

عندئذ - وبعد تنفيذ الأمر والنهوض بالتكليف - كشف الله لهم عن الغاية من الأمر والتكليف:

(وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها , والله مخرج ما كنتم تكتمون , فقلنا:اضربوه ببعضها . كذلك يحيي الله الموتى , ويريكم آياته لعلكم تعقلون). .

وهنا نصل إلى الجانب الثاني من جوانب القصة . جانب دلالتها على قدرة الخالق , وحقيقة البعث , وطبيعة الموت والحياة . وهنا يتغير السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة:

لقد كشف الله لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة . . لقد كانوا قد قتلوا نفسا منهم ; ثم جعل كل فريق يدرأ عن نفسه التهمة ويلحقها بسواه . ولم يكن هناك شاهد ; فأراد الله أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته ; وكان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه , وذلك بضربه ببعض من تلك البقرة الذبيح . . وهكذا كان , فعادت إليه الحياة , ليخبر بنفسه عن قاتله , وليجلو الريب والشكوك التي أحاطت بمقتله ; وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين .

ولكن . فيم كانت هذه الوسيلة , والله قادر على أن يحيي الموتى بلا وسيلة ? ثم ما مناسبة البقرة المذبوحة مع القتيل المبعوث ?

 

 

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

إن البقر يذبح قربانا كما كانت عادة بني إسرائيل . . وبضعة من جسد ذبيح ترد بها الحياة إلى جسد قتيل . وما في هذه البضعة حياة ولا قدرة على الأحياء . . إنما هي مجرد وسيلة ظاهرة تكشف لهم عن قدرة الله , التي لا يعرف البشر كيف تعمل . فهم يشاهدون آثارها ولا يدركون كنهها ولا طريقتها في العمل و: (كذلك يحيي الله الموتى). . كذلك بمثل هذا الذي ترونه واقعا ولا تدرون كيف وقع ; وبمثل هذا اليسر الذي لا مشقة فيه ولا عسر .

إن المسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة هائلة تدير الرؤوس . ولكنها في حساب القدرة الإلهية أمر يسير . . كيف ? . . هذا ما لا أحد يدريه . وما لا يمكن لأحد إدراكه . . إن إدراك الماهية والكيفية هنا سر من أسرار الألوهية , لا سبيل إليه في عالم الفانين ! وإن يكن في طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بها: (ويريكم آياته لعلكم تعقلون). .

وأخيرا نجيء إلى جمال الأداء وتناسقه مع السياق . .

هذه قصة قصيرة نبدؤها , فإذا نحن أمام مجهول لا نعرف ما وراءه . نحن لا نعرف في مبدأ عرض القصة لماذا يأمر الله بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة , كما أن بني إسرائيل إذ ذاك لم يعرفوا , وفي هذا اختبار لمدى الطاعة والاستجابة والتسليم .

ثم تتابع الحوار في عرض القصة بين موسى وقومه , فلا نرى الحوار ينقطع ليثبت ما دار بين موسى وربه ; على حين أنهم كانوا في كل مرة يطلبون منه أن يسأل ربه , فكان يسأله , ثم يعود إليهم بالجواب . . ولكن سياق القصة لا يقول:إنه سأل ربه ولا إن ربه أجابه . . إن هذا السكوت هو اللائق بعظمة الله , التي لا يجوز أن تكون في طريق اللجاجة التي يزاولها بنو إسرائيل !

ثم تنتهي إلى المباغتة في الخاتمة - كما بوغت بها بنو إسرائيل - انتفاض الميت مبعوثا ناطقا , على ضربة من بعض جسد لبقرة بكماء مذبوحة , ليس فيها من حياة ولا مادة حياة !

ومن ثم يلتقي جمال الأداء التعبيري بحكمة السياق الموضوعية في قصة قصيرة من القصص القرآني الجميل .

وتعقيبا على هذا المشهد الأخير من القصة , الذي كان من شأنه أن يستجيش في قلوب بني إسرائيل الحساسية والخشية والتقوى ; وتعقيبا كذلك على كل ما سلف من المشاهد و الأحداث والعبر والعظات , تجيء هذه الخاتمة المخالفة لكل ما كان يتوقع ويرتقب:

(ثم قست قلوبكم من بعد ذلك , فهي كالحجارة أو أشد قسوة . وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار , وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء . وإن منها لما يهبط من خشية الله . وما الله بغافل عما تعملون). .

والحجارة التي يقيس قلوبهم إليها , فإذا قلوبهم منها أجدب وأقسى . . هي حجارة لهم بها سابق عهد . فقد رأوا الحجر تتفجر منه اثنتا عشرة عينا , ورأوا الجبل يندك حين تجلى عليه الله وخر موسى صعقا ! ولكن قلوبهم لا تلين ولا تندى , ولا تنبض بخشية ولا تقوى . . قلوب قاسية جاسية مجدبة كافرة . . ومن ثم هذا التهديد:

(وما الله بغافل عما تعملون).

وبهذا يختم هذا الشطر من الجولة مع بني إسرائيل في تاريخهم الحافل بالكفر والتكذيب , والالتواء

 

 

أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)

واللجاجة , والكيد والدس , والقسوة والجدب , والتمرد والفسوق . . الوحدة الرابعة:81 - 98 آياتها:75 - 103 موضوعها:تفنيد مزاعم اليهود والتحذير منهم

تقديم الوحدة الرابعة

انقضى المقطع السابق في السورة في تذكير بني إسرائيل بأنعم الله عليهم وجحودهم لهذا الإنعام المتواصل ; وباستعراض مشاهد الإنعام والجحود , بعضها باختصار وبعضها بتطويل ; وانتهى هذا الاستعراض بتقرير ما انتهت إليه قلوبهم في نهاية المطاف من قسوة وجفاف وجدب , أشد من قسوة الحجارة وجفافها وجدبها .

فالأن يأخذ السياق في الاتجاه بالخطاب إلى الجماعة المسلمة يحدثها عن بني إسرائيل , ويبصرها بأساليبهم ووسائلهم في الكيد والفتنة ; ويحذرها كيدهم ومكرهم على ضوء تاريخهم وجبلتهم , فلا تنخدع بأقوالهم ودعاويهم ووسائلهم الماكرة في الفتنة والتضليل . ويدل طول هذا الحديث , وتنوع أساليبه على ضخامة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من الكيد المنصوب لها والمرصود لدينها من أولئك اليهود !

وبين آن وآخر يلتفت السياق إلى بني إسرائيل ليواجههم - على مشهد من المسلمين - بما أخذ عليهم من المواثيق , وبما نقضوا من هذه المواثيق ; وبما وقع منهم من انحرافات ونكول عن العهد وتكذيب بأنبيائهم , وقتلهم لهؤلاء الأنبياء الذين لا يطاوعونهم على هواهم , ومن مخالفة لشريعتهم , ومن التوائهم وجدالهم بالباطل , وتحريفهم لما بين أيديهم من النصوص .

يستعرض جدالهم مع الجماعة المسلمة وحججهم ودعاويهم الباطلة , ويلقن الرسول [ ص ] أن يفضح دعاويهم , ويفند حججهم , ويكشف زيف ادعاءاتهم , ويرد عليهم كيدهم بالحق الواضح الصريح:

فلقد زعموا أن لن تمسهم النار إلا أياما معدودة بحكم ما لهم من المكانة الخاصة عند الله ! فلقن الله نبيه [ ص ] أن يرد عليهم قولهم هذا: (قل:أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ? أم تقولون على الله ما لا تعلمون ?). .

وكانوا إذا دعوا إلى الإسلام (قالوا:نؤمن بما أنزل علينا , ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم). . فلقن الله رسوله [ ص ] أن يفضح دعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم: (قل:فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ? ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ? وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا . قالوا:سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم . قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين !). .

وكانوا يدعون أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس . فلقن الله رسوله [ ص ] أن يتحداهم بدعوتهم إلى المباهلة أي أن يجتمع الفريقان:هم والمسلمون , ثم يدعون الله أن يميت الكاذب:(قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين). . وقرر أنهم لن يتمنوه أبدا - وهذا ما حدث . فقد نكصوا عن المباهلة لعلمهم أنهم كاذبون فيما يدعون !

وهكذا يمضي السياق في هذه المواجهة , وهذا الكشف , وهذا التوجيه . . ومن شأن هذه الخطة أن تضعف - أو تبطل - كيد اليهود في وسط الصف المسلم ; وأن تكشف دسائسهم وأحابيلهم ; وأن تدرك الجماعة المسلمة طريقة اليهود في العمل والكيد والادعاء , على ضوء ما وقع منهم في تاريخهم القديم .

وما تزال الأمة المسلمة تعاني من دسائس اليهود ومكرهم ما عاناه أسلافها من هذا المكر ومن تلك الدسائس ; غير أن الأمة المسلمة لا تنتفع - مع الأسف - بتلك التوجيهات القرآنية , وبهذا الهدى الإلهي , الذي انتفع به أسلافها , فغلبوا كيد اليهود ومكرهم في المدينة , والدين ناشيء , والجماعة المسلمة وليدة . . وما يزال اليهود - بلؤمهم ومكرهم - يضللون هذه الأمة عن دينها , ويصرفونها عن قرآنها , كي لا تأخذ منه أسلحتها الماضية , وعدتها الواقية . وهم آمنون ما انصرفت هذه الأمة عن موارد قوتها الحقيقية , وينابيع معرفتها الصافية . . وكلمن يصرف هذه الأمة عن دينها وعن قرآنها فإنما هو من عملاء يهود ; سواء عرف أم لم يعرف , أراد أم لم يرد , فسيظل اليهود في مأمن من هذه الأمة ما دامت مصروفة عن الحقيقة الواحدة المفردة التي تستمد منها وجودها وقوتها وغلبتها - حقيقة العقيدة الإيمانية والمنهج الإيماني والشريعة الإيمانية - فهذا هو الطريق . وهذه هي معالم الطريق:

الدرس الأول:75 - 77:تيئيس المسلمين من اليهود المحرفين المنافقين

(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم , وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله , ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ? وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا , وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا:أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ? أفلا تعقلون ? أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ?). .

كانت صورة الجفاف والقسوة والجدب هي التي صور الله بها قلوب بني إسرائيل في نهاية الدرس الماضي . صورة الحجارة الصلدة التي لا تنض منها قطرة , ولا يلين لها ممس , ولا تنبض فيها حياة . . وهي صورة توحي باليأس من هذه الطبيعة الجاسية الجامدة الخاوية . . وفي ظل هذا التصوير , وظل هذا الإيحاء , يلتفت السياق إلى المؤمنين , الذين يطمعون في هداية بني إسرائيل , ويحاولون أن يبثوا في قلوبهم الإيمان , وأن يفيضوا عليها النور . . يلتفت إلى أولئك المؤمنين بسؤال يوحي باليأس من المحاولة , وبالقنوط من الطمع:

(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ? وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله , ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ?). .

إلا أنه لا مطمع ولا رجاء في أن يؤمن أمثال هؤلاء . فللإيمان طبيعة أخرى , واستعداد آخر . إن الطبيعة المؤمنة سمحة هينة لينة , مفتحة المنافذ للأضواء , مستعدة للإتصال بالنبع الأزلي الخالد بما فيها من نداوة ولين وصفاء . وبما فيها من حساسية وتحرج وتقوى . هذه التقوى التي تمنعها أن تسمع كلام الله ثم تحرفه من بعد تعقله . تحرفه عن علم وإصرار . فالطبيعة المؤمنة طبيعة مستقيمة , تتحرج من هذا التحريف والالتواء .

والفريق المشار إليه هنا هو أعلم اليهود وأعرفهم بالحقيقة المنزلة عليهم في كتابهم هم الأحبار والربانيون , الذين يسمعون كلام الله المنزل على نبيهم موسى في التوراة ثم يحرفونه عن مواضعه , ويؤولونه التأويلات البعيدة التي تخرج به عن دائرته . لا عن جهل بحقيقة مواضعه , ولكن عن تعمد للتحريف , وعلم بهذا التحريف . يدفعهم الهوى , وتقودهم المصلحة , ويحدوهم الغرض المريض ! فمن باب أولى ينحرفون عن الحق الذي جاء به محمد [ ص ] وقد انحرفوا عن الحق الذي جاء به نبيهم موسى - عليه السلام - ومن باب أولى - وهذا خراب ذممهم , وهذا إصرارهم على الباطل وهم يعلمون بطلانه - أن يعارضوا دعوة الإسلام , ويروغوا منها ويختلقوا عليها الأكاذيب !

(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا , وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا:أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ? أفلا تعقلون ?). .

أفتطمعون أن يؤمنوا لكم , وهم يضيفون إلى خراب الذمة , وكتمان الحق , وتحريف الكلم عن مواضعه . . الرياء والنفاق والخداع والمراوغة ?

وقد كان بعضهم إذا لقوا المؤمنين قالوا:آمنا . . أي آمنا بأن محمدا مرسل , بحكم ما عندهم في التوراة من البشارة به , وبحكم أنهم كانوا ينتظرون بعثته , ويطلبون أن ينصرهم الله به على من عداهم . وهو معنى قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا). . ولكن: (إذا خلا بعضهم إلى بعض). . عاتبوهم

 

 

وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (76) أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (80)

على ما أفضوا للمسلمين من صحة رسالة محمد [ ص ] ومن معرفتهم بحقيقة بعثته من كتابهم , فقال بعضهم لبعض: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم). . فتكون لهم الحجة عليكم ? . . وهنا تدركهم طبيعتهم المحجبة عن معرفة صفة الله وحقيقة علمه ; فيتصورون أن الله لا يأخذ عليهم الحجة إلا أن يقولوها بأفواههم للمسلمين ! أما إذا كتموا وسكتوا فلن تكون لله عليهم حجة ! . . وأعجب العجب أن يقول بعضهم لبعض في هذا: (أفلا تعقلون ?). . فيا للسخرية من العقل والتعقل الذي يتحدثون عنه مثل هذا الحديث !!

ومن ثم يعجب السياق من تصورهم هذا قبل أن يمضي في استعراض ما يقولون وما يفعلون:

(أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ?). .

الدرس الثاني:78 - 79 فريقا اليهود:جاهل ومحرف

ثم يستطرد يقص على المسلمين من أحوال بني إسرائيل:إنهم فريقان . فريق أمي جاهل , لا يدري شيئا من كتابهم الذي نزل عليهم , ولا يعرف منه إلا أوهاما وظنونا , وإلا أماني في النجاة من العذاب , بما أنهم شعب الله المختار , المغفور له كل ما يعمل وما يرتكب من آثام ! وفريق يستغل هذا الجهل وهذه الأمية فيزور على كتاب الله , ويحرف الكلم عن مواضعه بالتأويلات المغرضة , ويكتم منه ما يشاء , ويبدي منه ما يشاء ويكتب كلاما من عند نفسه يذيعه في الناس باسم أنه من كتاب الله . . كل هذا ليربح ويكسب , ويحتفظ بالرياسة والقيادة:

(ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون , فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم , ثم يقولون:هذا من عند الله , ليشتروا به ثمنا قليلا . فويل لهم مما كتبت أيديهم , وويل لهم مما يكسبون). .

فكيف ينتظر من أمثال هؤلاء وهؤلاء أن يستجيبوا للحق , وأن يستقيموا على الهدى , وأن يتحرجوا من تحريف ما يقف في طريقهم من نصوص كتابهم نفسه ? إن هؤلاء لا مطمع في أن يؤمنوا للمسلمين . وإنما هو الويل والهلاك ينتظرهم . الويل والهلاك لهم مما كتبت أيديهم من تزوير على الله ; والويل والهلاك لهم مما يكسبون بهذا التزوير والاختلاق !

الدرس الثالث:80 تكذيبهم في زعم النجاة من النار

من تلك الأماني التي لا تستقيم مع عدل الله , ولا تتفق مع سنته , ولا تتمشى مع التصور الصحيح للعمل والجزاء . . أن يحسبوا أنهم ناجون من العذاب مهما فعلوا , وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات يخرجون بعدها إلى النعيم . . علام يعتمدون في هذه الأمنية ? علام يحددون الوقت كأنهم مستوثقون ? وكأنها معاهدة محدودة الأجل معلومة الميقات ? لا شيء إلا أماني الأميين الجهال , وأكاذيب المحتالين العلماء ! الأماني التي يلجأ إليها المنحرفون عن العقيدة الصحيحة , حين يطول بهم الأمد , وينقطع ما بينهم وبين حقيقة دينهم , فلا يبقى لهم منه إلا اسمه وشكله , دون موضوعه وحقيقته ويظنون أن هذا يكفيهم للنجاة من العذاب بحكم ما يعلنونه بألسنتهم من أنهم على دين الله:

(وقالوا:لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . قل:أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ? أم تقولون على الله ما لا تعلمون ?). .

وهذا هو التلقين الإلهي للحجة الدامغة: (أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ?). . فأين هو هذا العهد ? (أم تقولون على الله ما لا تعلمون). . وهذا هو الواقع . فالاستفهام هنا للتقرير . ولكنه في صورة الاستفهام

 

 

بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)

يحمل كذلك معنى الإنكار والتوبيخ !

الدرس الرابع:81 - 82:بيان أصحاب الجنة وأصحاب النار

هنا يأتيهم الجواب القاطع والقول الفصل في هذه الدعوى , في صورة كلية من كليات التصور الإسلامي , تنبع من فكرته الكلية عن الكون والحياة والإنسان:إن الجزاء من جنس العمل , ووفق هذا العمل .

(بلى ! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون). .

ولا بد أن نقف قليلا أمام ذلك التصوير الفني المعجز لحالة معنوية خاصة , وامام هذا الحكم الإلهي الجازم نكشف عن شيء من أسبابه وأسراره :

(بلى ! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته . .). .

الخطيئة كسب ? إن المعنى الذهني المقصود هو اجتراح الخطيئة . ولكن التعبير يوميء إلى حالة نفسية معروفة . . إن الذي يجترح الخطيئة إنما يجترحها عادة وهو يلتذها ويستسيغها ; ويحسبها كسبا له - على معنى من المعاني - ولو أنها كانت كريهة في حسه ما اجترحها , ولو كان يحس أنها خسارة ما أقدم عليها متحمسا , وما تركها تملأ عليه نفسه , وتحيط بعالمه ; لأنه خليق لو كرهها وأحس ما فيها من خسارة أن يهرب من ظلها - حتى لو اندفع لارتكابها - وأن يستغفر منها , ويلوذ إلى كنف غير كنفها . وفي هذه الحالة لا تحيط به , ولا تملأ عليه عالمه , ولا تغلق عليه منافذ التوبة والتكفير . . وفي التعبير: (وأحاطت به خطيئته). . تجسيم لهذا المعنى . وهذه خاصية من خواص التعبير القرآني , وسمة واضحة من سماته ; تجعل له وقعا في الحس يختلف عن وقع المعاني الذهنية المجردة , والتعبيرات الذهنية التي لا ظل لها ولا حركة . وأي تعبير ذهني عن اللجاجة في الخطيئة ما كان ليشع مثل هذا الظل الذي يصور المجترح الآثم حبيس خطيئته:يعيش في إطارها , ويتنفس في جوها , ويحيا معها ولها .

عندئذ . . عندما تغلق منافذ التوبة على النفس في سجن الخطيئة . . عندئذ يحق ذلك الجزاء العادل الحاسم:

(فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). .

ثم يتبع هذا الشطر بالشطر المقابل من الحكم .

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون). .

فمن مقتضيات الإيمان أن ينبثق من القلب في صورة العمل الصالح . . وهذا ما يجب أن يدركه من يدعون الإيمان . . وما أحوجنا - نحن الذين نقول أنا مسلمون - أن نستيقن هذه الحقيقة:أن الإيمان لا يكون حتى ينبثق منه العمل الصالح . فأما الذين يقولون:إنهم مسلمون ثم يفسدون في الأرض , ويحاربون الصلاح في حقيقته الأولى وهي إقرار منهج الله في الأرض , وشريعته في الحياة , وأخلاقه في المجتمع , فهؤلاء ليس لهم من الإيمان شيء , وليس لهم من ثواب الله شيء , وليس لهم من عذابه واق ولو تعلقوا بأماني كأماني اليهود التي بين الله لهم وللناس فيها هذا البيان .

الدرس الخامس:83 - 86 نماذج لتناقض اليهود ومخالفاتهم

ثم يمضي السياق يحدث الجماعة المسلمة عن حال اليهود , ومواقفهم التي يتجلى فيها العصيان والالتواء

 

 

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (84)

والانحراف والنكول عن العهد والميثاق . ويواجه اليهود بهذه المواقف على مشهد من المسلمين:

(وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ; وبالوالدين إحسانا ; وذي القربى واليتامى والمساكين ; وقولوا للناس حسنا ; وأقيموا الصلاة , وآتوا الزكاة . . ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون . وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم . ثم أقررتم وأنتم تشهدون . . ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم , وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان , وإن يأتوكم أسارى تفادوهم , وهو محرم عليكم إخراجهم . أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ? فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا , ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب , وما الله بغافل عما تعملون . أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة , فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون). .

ولقد سبقت الإشارة إلى الميثاق في معرض تذكير الله لبني إسرائيل بإخلاف موقفهم معه في الدرس الماضي . فهنا شيء من التفصيل لبعض نصوص هذا الميثاق .

ومن الآية الأولى ندرك أن ميثاق الله مع بني إسرائيل , ذلك الميثاق الذي أخذه عليهم في ظل الجبل , والذي أمروا أن يأخذوه بقوة وأن يذكروا ما فيه . . أن ذلك الميثاق قد تضمن القواعد الثابتة لدين الله . هذه القواعد التي جاء بها الإسلام أيضا , فتنكروا لها وأنكروها .

لقد تضمن ميثاق الله معهم:ألا يعبدوا إلا الله . . القاعدة الأولى للتوحيد المطلق . وتضمن الإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين . وتضمن خطاب الناس بالحسنى , وفي أولها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . كذلك تضمن فريضة الصلاة وفريضة الزكاة . وهذه في مجموعها هي قواعد الإسلام وتكاليفه . .

ومن ثم تتقرر حقيقتان:الأولى هي وحدة دين الله ; وتصديق هذا الدين الأخير لما قبله في أصوله . والثانية هي مقدار التعنت في موقف اليهود من هذا الدين , وهو يدعوهم لمثل ما عاهدوا الله عليه , وأعطوا عليه الميثاق .

وهنا - في هذا الموقف المخجل - يتحول السياق من الحكاية إلى الخطاب , فيوجه القول إلى بني إسرائيل . وكان قد ترك خطابهم والتفت إلى خطاب المؤمنين . ولكن توجيه الخطاب إليهم هنا أخزى وأنكى:

(ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون). .

وهكذا تتكشف بعض أسرار الالتفات في سياق القصص وغيره في هذا الكتاب العجيب !

ويستمر السياق يوجه الخطاب إلى بني إسرائيل , وهو يعرض عليهم متناقضات موقفهم من ميثاقهم مع الله . .

(وإذ أخذنا ميثاقكم:لا تسفكون دماءكم , ولا تخرجون أنفسكم من دياركم . ثم أقررتم وأنتم تشهدون). .

فماذا كان بعد الإقرار وهم شاهدون حاضرون ?

(ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم , وتخرجون فريقا منكم من ديارهم , تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان . وإن يأتوكم أسارى تفادوهم , وهو محرم عليكم إخراجهم . أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ?). .

ولقد كان هذا الذي يواجههم به واقعا قريب العهد قبيل غلبة الإسلام على الأوس والخزرج . كان الأوس والخزرج مشركين , وكان الحيان أشد ما يكون حيان من العرب عداء . وكان اليهود في المدينة ثلاثة أحياء ترتبط بعهود مع هذا الحي وذاك من المشركين . . كان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج , وكان ينو قريظة حلفاء الأوس . فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه ; فيقتل اليهودي أعداءه ,

 

 

ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (86)

وقد يقتل اليهودي اليهودي من الفريق الآخر - وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم - وكانوا يخرجونهم من ديارهم إذا غلب فريقهم وينهبون أموالهم ويأخذون سباياهم - وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم - ثم إذا وضعت الحرب أوزارها فادوا الأسارى , وفكوا أسر المأسورين من اليهود هنا أو هناك , عندهم أو عند حلفائهم أو أعداء حلفائهم على السواء - وذلك عملا بحكم التوراة وقد جاء فيها:إنك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلا أخذته فأعتقته . .

هذا التناقض هو الذي يواجههم به القرآن ; وهو يسألهم في استنكار:

(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ?). .

وهذا هو نقض الميثاق الذي يتهددهم عليه بالخزي في الحياة الدنيا , والعذاب الأشد في الآخرة . مع التهديد الخفي بأن الله ليس غافلا عنه ولا متجاوزا:

(فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا , ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب . وما الله بغافل عما تعملون). .

ثم يلتفت إلى المسلمين وإلى البشرية جميعا , وهو يعلن حقيقتهم وحقيقة عملهم:

(أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة . فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون). .

وكذبوا إذن في دعواهم أن لن تمسهم النار إلا أياما معدودة . . فهؤلاء هم هناك: (فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون). .

وقصة شرائهم الحياة الدنيا بالآخرة هنا في هذه المناسبة:هي أن الدافع لهم على مخالفة ميثاقهم مع الله , هو استمساكهم بميثاقهم مع المشركين في حلف يقتضي مخالفة دينهم وكتابهم . فإن انقسامهم فريقين , وانضمامهم إلى حلفين , هي هي خطة إسرائيل التقليدية , في إمساك العصا من الوسط ; والانضمام إلى المعسكرات المتطاحنة كلها من باب الاحتياط , لتحقيق بعض المغانم على أية حال ; وضمان صوالح اليهود في النهاية سواء انتصر هذا المعسكر أم ذاك ! وهي خطة من لا يثق بالله , ولا يستمسك بميثاقه , ويجعل اعتماده كله على الدهاء , ومواثيق الأرض , والاستنصار بالعباد لا برب العباد . والإيمان يحرم على أهله الدخول في حلف يناقض ميثاقهم مع ربهم , ويناقض تكاليف شريعتهم , باسم المصلحة أو الوقاية , فلا مصلحة إلا في اتباع دينهم , ولا وقاية إلا بحفظ عهدهم مع ربهم .

الدرس السادس:87 مزاجية اليهود في التعامل مع الحق

ثم يمضي السياق يواجه بني إسرائيل بمواقفهم تجاه النبوات وتجاه الأنبياء . . أنبيائهم هم , وما كان من سوء صنيعهم معهم كلما جاءوهم بالحق , الذي لا يخضع للأهواء . .

(ولقد آتينا موسى الكتاب , وقفينا من بعده بالرسل ; وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس . أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم , ففريقا كذبتم , وفريقا تقتلون ?). .

ولقد كانت حجة بني إسرائيل في إعراضهم عن الإسلام , وإبائهم الدخول فيه , أن عندهم الكفاية من تعاليم أنبيائهم , وأنهم ماضون على شريعتهم ووصاياهم . . فهنا يفضحهم القرآن ويكشف عن حقيقة موقفهم من أنبيائهم وشرائعهم ووصاياهم . ويثبت أنهم هم هم كلما واجهوا الحق , الذي لا يخضع لأهوائهم .

وفيما تقدم واجههم بالكثير من مواقفهم مع نبيهم موسى - عليه السلام - وقد آتاه الله الكتاب . ويزيد هنا

 

 

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)

أن رسلهم توالت تترى , يقفو بعضهم بعضا ; وكان آخرهم عيسى بن مريم . وقد آتاه الله المعجزات البينات , وأيده بروح القدس جبريل - عليه السلام - فكيف كان استقبالهم لذلك الحشد من الرسل ولآخرهم عيسى عليه السلام ? كان هذا الذي يستنكره عليهم ; والذي لا يملكون هم إنكاره , وكتبهم ذاتها تقرره وتشهد به:

(أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم:ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون !)!

ومحاولة إخضاع الهداة والشرائع للهوى الطارىء والنزوة المتقلبة . ظاهرة تبدو كلما فسدت الفطرة , وانطمست فيها عدالة المنطق الإنساني ذاته . المنطق الذي يقتضي أن ترجع الشريعة إلى مصدر ثابت - غير المصدر الإنساني المتقلب - مصدر لا يميل مع الهوى , ولا تغلبه النزوة . وأن يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت الذي لا يتأرجح مع الرضى والغضب , والصحة والمرض , والنزوة والهوى , لا أن يخضعوا الميزان ذاته للنزوة والهوى !

ولقد قص الله على المسلمين من أنباء بني إسرائيل في هذا ما يحذرهم من الوقوع في مثله , حتى لا تسلب منهم الخلافة في الأرض والأمانة التي ناطها بهم الله , فلما وقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل , وطرحوا منهج الله وشريعته , وحكموا أهواءهم وشهواتهم , وقتلوا فريقا من الهداة وكذبوا فريقا . ضربهم الله بما ضرب به بني إسرائيل من قبل , من الفرقة والضعف , والذلة والهوان , والشقاء والتعاسة . . إلا أن يستجيبوا لله ورسله , وإلا أن يخضعوا أهواءهم لشريعته وكتابه , وإلا أن يفوا بعهد الله معهم ومع أسلافهم , وإلا أن يأخذوه بقوة , ويذكروا ما فيه لعلهم يهتدون .

الدرس السابع:88 - 93:حقد اليهود على النبي الخاتم وبعض جرائمهم

ذلك كان موقفهم مع أنبيائهم , يبينه ويقرره , ثم يجابههم بموقفهم من الرسالة الجديدة والنبي الجديد , فإذا هم هم , كأنهم أولئك الذين جابهوا الأنبياء من قبل:

وقالوا:قلوبنا غلف . بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به . فلعنة الله على الكافرين . بئسما اشتروا به أنفسهم:أن يكفروا بما أنزل الله - بغيا , أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده - فباؤوا بغضب على غضب , وللكافرين عذاب مهين . وإذا قيل لهم:آمنوا بما أنزل الله , قالوا:نؤمن بما أنزل علينا . ويكفرون بما وراءه , وهو الحق مصدقا لما معهم , قل:فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ? ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون . وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور:خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا . قالوا:سمعنا وعصينا , وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم . قل:بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ! . .

إن الأسلوب هنا يعنف ويشتد , ويتحول - في بعض المواضع - إلى صواعق وحمم . . إنه يجبههم جبها شديدا بما قالوا وما فعلوا ; ويجردهم من كل حججهم ومعاذيرهم , التي يسترون بها استكبارهم عن الحق , وأثرتهم البغيضة , وعزلتهم النافرة , وكراهتهم لأن ينال غيرهم الخير , وحسدهم أن يؤتي الله أحدا من فضله . جزاء موقفهم الجحودي المنكر من الإسلام ورسوله الكريم . .

(وقالوا:قلوبنا غلف . بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون). .

قالوا:إن قلوبنا مغلفة لا تنفذ إليها دعوة جديدة , ولا تستمع إلى داعية جديد ! قالوها تيئيسا لمحمد [ ص ] وللمسلمين , من دعوتهم إلى هذا الدين ; أو تعليلا لعدم استجابتهم لدعوة الرسول .

 

 

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (90)

ويقول الله ردا على قولتهم: (بل لعنهم الله بكفرهم). . أي إنه طردهم وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم . فهم قد كفروا ابتداء فجازاهم الله على الكفر بالطرد وبالحيلولة بينهم وبين الانتفاع بالهدى . . (فقليلا ما يؤمنون). . أي قليلا ما يقع منهم الإيمان بسبب هذا الطرد الذي حق عليهم جزاء كفرهم السابق , وضلالهم القديم . أو أن هذه حالهم:أنهم كفروا فقلما يقع منهم الإيمان , حالة لاصقة بهم يذكرها تقريرا لحقيقتهم . . وكلا المعنيين يتفق مع المناسبة والموضوع .

وقد كان كفرهم قبيحا , لأنهم كفروا بالنبي الذي ارتقبوه , واستفتحوا به على الكافرين , أي ارتقبوا أن ينتصروا به على من سواهم . وقد جاءهم بكتاب مصدق لما معهم:

(ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). .

وهو تصرف يستحق الطرد والغضب لقبحه وشناعته . . ومن ثم يصب عليهم اللعنة ويصمهم بالكفر: (فلعنة الله على الكافرين). .

ويفضح السبب الخفي لهذا الموقف الشائن الذي وقفوه ; بعد أن يقرر خسارة الصفقة التي اختاروها:

(بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله , بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . فباؤوا بغضب على غضب , وللكافرين عذاب مهين). .

بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا . . . لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم ! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما , يكثر أو يقل . أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها ولكن هذا هو الواقع . وإن بدا تمثيلا وتصويرا . لقد خسروا أنفسهم في الدنيا فلم ينضموا إلى الموكب الكريم العزيز ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة بما ينتظرهم من العذاب المهين . وبماذا خرجوا في النهاية ? خرجوا بالكفر , هو وحده الذي كسبوه وأخذوه !

وكان الذي حملهم على هذا كله هو حسدهم لرسول الله [ ص ] أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم , وحقدهم لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . وكان هذا بغيا منهم وظلما فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب ; وهناك ينتظرهم عذاب مهين , جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم .

وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود , طبيعة الأثرة الضيقة التي تحيا في نطاق من التعصب شديد ; وتحس أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها ; ولا تشعر بالوشيجة الإنسانية الكبرى , التي تربط البشرية جميعا . . وهكذا عاش اليهود في عزلة , يحسون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة ; ويتربصون بالبشرية الدوائر ; ويكنون للناس البغضاء , ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن , ويذيقون البشرية رجع هذه الأحقاد فتنا يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض , وحروبا يثيرونها ليجروا من ورائها المغانم , ويروون بها أحقادهم التي لا تنطفىء , وهلاكا يسلطونه على الناس , ويسلطه عليهم الناس . . وهذا الشر كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: (بغيا . . أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده). .

(وإذا قيل لهم:آمنوا بما أنزل الله قالوا:نؤمن بما أنزل علينا , ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم). .

وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن وبالإسلام . كانوا يقولون (نؤمن بما أنزل علينا).

 

 

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (93)

ففيه الكفاية , وهو وحده الحق , ثم يكفرون بما وراءه . سواء ما جاءهم به عيسى عليه السلام , وما جاءهم به محمد خاتم النبيين .

والقرآن يعجب من موقفهم هذا , ومن كفرهم بما وراء الذي معهم (وهو الحق مصدقا لما معهم). .

وما لهم وللحق ? وما لهم أن يكون مصدقا لما معهم ! ما داموا لم يستأثروا هم به ? إنهم يعبدون أنفسهم , ويتعبدون لعصبيتهم . لا بل إنهم ليعبدون هواهم , فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به . . ويلقن الله نبيه [ ص ] أن يجبههم بهذه الحقيقة , كشفا لموقفهم وفضحا لدعواهم:

(قل:فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ?). .

لم تقتلون أنبياء الله من قبل , إن كنتم حقا تؤمنون بما أنزل إليكم ? وهؤلاء الأنبياء هم الذي جاؤوكم بما تدعون أنكم تؤمنون به ?

لا بل إنكم كفرتم بما جاءكم به موسى - نبيكم الأول ومنقذكم الأكبر -:

(ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون). .

فهل اتخاذكم العجل من بعدما جاءكم موسى بالبينات , وفي حياة موسى نفسه , كان من وحي الإيمان ? وهل يتفق هذا مع دعواكم أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم ?

ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة . بل كان هنالك الميثاق تحت الصخرة , وكان هناك التمرد والمعصية:

وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور:خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا . قالوا:سمعنا وعصينا , وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم . .

والسياق هنا يلتفت من الخطاب إلى الحكاية . . يخاطب بني إسرائيل بما كان منهم , ويلتفت إلى المؤمنين - وإلى الناس جميعا - فيطلعهم على ما كان منهم . . ثم يلقن الرسول [ ص ] أن يجبههم بالترذيل والتبشيع لهذا اللون من الإيمان العجيب الذي يدعونه إن كان يأمرهم بكل هذا الكفر الصريح:

(قل:بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين !). .

ونقف هنا لحظة أمام التعبيرين المصورين العجيبين: (قالوا:سمعنا وعصينا). . (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم). .

إنهم قالوا:سمعنا . ولم يقولوا عصينا . ففيم إذن حكاية هذا القول عنهم هنا ? إنه التصوير الحي للواقع الصامت كأنه واقع ناطق . لقد قالوا بأفواههم:سمعنا . وقالوا بأعمالهم:عصينا . والواقع العملي هو الذي يمنح القول الشفوي دلالته . وهذه الدلالة أقوى من القول المنطوق . . وهذا التصوير الحي للواقع يومىء إلى مبدأ كلي من مباديء الإسلام:إنه لا قيمة لقول بلا عمل . إن العمل هو المعتبر . أو هي الوحدة بين الكلمة المنطوقة والحركة الواقعة , وهي مناط الحكم والتقدير .

فأما الصورة الغليظة التي ترسمها: (وأشربوا في قلوبهم العجل)فهي صورة فريدة . لقد أشربوا . أشربوا بفعل فاعل سواهم . أشربوا ماذا ? أشربوا العجل ! وأين أشربوه ? أشربوه في قلوبهم ! ويظل الخيال يتمثل تلك المحاولة العنيفة الغليظة , وتلك الصورة الساخرة الهازئة:صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا , ويحشر فيها حشرا , حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت هذه الصورة المجسمة لتؤديه , وهو حبهم الشديد لعبادة العجل , حتى لكأنهم أشربوه إشرابا في القلوب ! هنا تبدو قيمة التعبير القرآني المصور , بالقياس .

 

 

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)

إن التعبير الذهي المفسر . . إنه التصوير . . السمة البارزة في التعبير القرآني الجميل .

الدرس الثامن:94 - 96 عدم تمنيهم الموت وحرصهم على الحياة

ثم لقد كانوا يطلقونها دعوى عريضة . . إنهم شعب الله المختار . إنهم وحدهم المهتدون . إنهم وحدهم الفائزون في الآخرة . إنه ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة عند الله نصيب .

وهذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بمحمد [ ص ] لا نصيب لهم في الآخرة . والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسولهم ووعود القرآن لهم . . فأمر الله نبيه [ ص ] أن يدعو اليهود إلى مباهلة . أي بأن يقف الفريقان ويدعوا الله بهلاك الكاذب منهما:

(قل:إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس , فتمنوا الموت إن كنتم صادقين).

ويعقب على هذا التحدي بتقرير أنهم لن يقبلوا المباهلة , ولن يطلبوا الموت . لأنهم يعلمون أنهم كاذبون ; ويخشون أن يستجيب الله فيأخذهم . وهم يعلمون أن ما قدموه من عمل لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة . وعندئذ يكونون قد خسروا الدنيا بالموت الذي طلبوه , وخسروا الآخرة بالعمل السيىء الذي قدموه . . ومن ثم فإنهم لن يقبلوا التحدي . فهم أحرص الناس على حياة . وهم والمشركون في هذا سواء:

(ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم . والله عليم بالظالمين . ولتجدنهم أحرص الناس على حياة . ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر , والله بصير بما يعملون).

لن يتمنوه . لأن ما قدمته أيديهم للآخرة لا يطمعهم في ثواب , ولا يؤمنهم من عقاب . إنه مدخر لهم هناك , والله عليم بالظالمين وما كانوا يعملون .

وليس هذا فحسب . ولكنها خصلة أخرى في يهود , خصلة يصورها القرآن صورة تفيض بالزراية وتنضح بالتحقير والمهانة: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة). . أية حياة , لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميزة على الإطلاق ! حياة فقط ! حياة بهذا التنكير والتحقير ! حياة ديدان أو حشرات ! حياة والسلام ! إنها يهود , في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء . وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة . فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس , وعنت الجباه جبنا وحرصا على الحياة . . أي حياة !

(ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة , وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر , والله بصير بما يعملون). .

يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . ذلك أنهم لا يرجون لقاء الله , ولا يحسون أن لهم حياة غير هذه الحياة . وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحس النفس الإنسانية أنها لا تتصل بحياة سواها , ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة . . إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة . نعمة يفيضها الإيمان على القلب . نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني . المحدود الأجل الواسع الأمل وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلود , إلا وحقيقة الحياة في روحه ناقصة أو مطموسة . فالإيمان بالآخرة - فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق , وجزائه الأوفى - هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيوية , وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض ; إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق , الذي لا يعلم إلا الله مداه , وإلى المرتقى السامي الذي يتجه صعدا إلى جوار الله .

الدرس التاسع:97 - 98 كفرهم لتفريقهم بين الملائكة والرسل

ويمضي السياق بتلقين جديد من الله لرسوله [ ص ] يتحداهم به , ويعلن الحقيقة التي يتضمنها على رؤوس الأشهاد:

 

 

قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98)

(قل:من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله , مصدقا لما بين يديه , وهدى وبشرى للمؤمنين . من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال , فإن الله عدو للكافرين). .

وفي قصة هذا التحدي نطلع على سمة أخرى من سمات يهود . سمة عجيبة حقا . . لقد بلغ هؤلاء القوم من الحنق والغيظ من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده مبلغا يتجاوز كل حد , وقادهم هذا إلى تناقض لا يستقيم في عقل . . لقد سمعوا أن جبريل ينزل بالوحي من عند الله على محمد [ ص ] ولما كان عداؤهم لمحمد قد بلغ مرتبة الحقد والحنق فقد لج بهم الضغن أن يخترعوا قصة واهية وحجة فارغة , فيزعموا أن جبريل عدوهم , لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب ; وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد من جراء صاحبه جبريل ! ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا , فميكائيل يتنزل بالرخاء والمطر والخصب !

إنها الحماقة المضحكة , ولكن الغيظ والحقد يسوقان إلى كل حماقة . وإلا فما بالهم يعادون جبريل ? وجبريل لم يكن بشرا يعمل معهم أو ضدهم , ولم يكن يعمل بتصميم من عنده وتدبير ? إنما هو عبد الله يفعل ما يأمره ولا يعصى الله ما أمره !

(قل:من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله). .

فما كان له من هوى شخصي , ولا إرادة ذاتية , في أن ينزله على قلبك , إنما هو منفذ لإرادة الله وإذنه في تنزيل هذا القرآن على قلبك . . والقلب هو موضع التلقي , وهو الذي يفقه بعد التلقي , ويستقر هذا الكتاب فيه ويحفظ . . والقلب يعبر به في القرآن عن قوة الإدراك جملة وليس هو هذه العضلة المعروفة بطبيعة الحال .

نزله على قلبك . . (مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين). .

والقرآن يصدق في عمومه ما سبقه من الكتب السماوية , فأساس دين الله واحد في جميع الكتب السماوية وجميع الديانات الإلهية . . وهو هدى وبشرى للقلوب المؤمنة , التي تتفتح له وتستجيب . . وهذه حقيقة ينبغي إبرازها . . إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس , وتفتح له من أبواب المعرفة , وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان . ومن ثم يجد فيه الهدى , كما يستروح فيه البشرى . وكذلك نجد القرآن يكرر هذه الحقيقة في مناسبات شتى . . (هدى للمتقين). . (هدى لقوم يؤمنون). . (هدى لقوم يوقنون). . (شفاء ورحمة للمؤمنين). فالهدى ثمرة الإيمان والتقوى واليقين . .

وبنو إسرائيل لم يكونوا يؤمنون أو يتقون أو يوقنون !

وكانوا - كعادتهم في تفريق الدين وتفريق الرسل - قد فرقوا بين ملائكة الله الذين يسمعون أسماءهم وأعمالهم , فقالوا:إنهم على صداقة مع ميكائيل أما مع جبريل فلا ! لذلك جمعت الآية التالية جبريل وميكال وملائكة الله ورسله , لبيان وحدة الجميع , ولإعلان أن من عادى أحدا منهم فقد عاداهم جميعا , وعادى الله سبحانه , فعاداه الله . فهو من الكافرين . .

(من كان عدوا لله وملائكته ورسله , وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين).

الدرس العاشر:99 - 101 فسق اليهود ونقضهم العهد

ثم يتجه بالخطاب إلى الرسول [ ص ] يثبته على ما أنزل عليه من الحق , وما آتاه من الآيات البينات , مقررا أنه لا يكفر بهذه الآيات إلا الفاسقون المنحرفون . ويندد ببني إسرائيل الذين لا يستقيمون على عهد . سواء عهودهم مع ربهم وأنبيائهم من قبل , أو عهودهم مع رسول الله [ ص ] كما

 

 

وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (101)

يندد بنبذهم لكتاب الله الأخير الذي جاء مصدقا لما معهم:

(ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون , أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ? بل أكثرهم لا يؤمنون . ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم , كأنهم لا يعلمون . . .). .

لقد كشف القرآن هنا عن علة كفر بني إسرائيل بتلك الآيات البينات التي أنزلها الله . . إنه الفسوق وانحراف الفطرة . فالطبيعة المستقيمة لا يسعها إلا الإيمان بتلك الآيات . وهي تفرض نفسها فرضا على القلب المستقيم . فإذا كفر بها اليهود - أو غيرهم - فليس هذا لأنه لا مقنع فيها ولا حجة , ولكن لأنهم هم فاسدو الفطرة فاسقون .

ثم يلتفت إلى المسلمين - وإلى الناس عامة - منددا بهؤلاء اليهود , كاشفا عن سمة من سماتهم الوبيئة . . إنهم جماعة مفككة الأهواء - رغم تعصبها الذميم - فهم لا يجتمعون على رأي , ولا يثبتون على عهد , ولا يستمسكون بعروة . ومع أنهم متعصبون لأنفسهم وجنسهم , يكرهون أن يمنح الله شيئا من فضله لسواهم , إلا أنهم - مع هذا - لا يستمسكون بوحدة , ولا يحفظ بعضهم عهد بعض , وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تند منهم فرقة فتنقض ما أبرموا , وتخرج على ما أجمعوا:

(أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ? بل أكثرهم لا يؤمنون). .

وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل , ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد , وأخيرا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبي [ ص ] أول مقدمه إلى المدينة ; وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معينة , بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه ; وأول من عاب دينة , وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم , مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه . .

وبئس هي من خلة في اليهود ! تقابلها في المسلمين خلة أخرى على النقيض , يعلنها رسول الله [ ص ] في قوله " المسلمون تتكافأ دماؤهم , وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم " . . يسعى بذمتهم أدناهم , فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد , ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم , ولقد كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وهو قائد لجيش عمر - رضي الله عنه - وهو الخليفة يقول:إن عبدا أمن أهل بلد بالعراق . وسأله رأيه . فكتب إليه عمر:إن الله عظم الوفاء , فلا تكونون أوفياء حتى تفوا . . فوفوا لهم وانصرفوا عنهم . . وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة . وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين .

(ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم , نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون). .

وكان هذا مظهرا من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه . فلقد كان ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم , أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه , وأن ينصروه ويحترموه . فلما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم , خاسوا بذلك العهد , ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم , يستوي في هذا النبذ كتاب الله الذي معهم , والذي يتضمن البشرى بهذا النبي وقد نبذوه , والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد

وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (103)

نبذوه أيضا !

وفي الآية ما فيها من سخرية خفية , يحملها ذلك النص على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم . فلو كانوا هم المشركين الأميين لكان نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم مفهوما ! ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب . هم الذين عرفوا الرسالات والرسل . هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور . . وماذا صنعوا ? إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ! والمقصود طبعا أنهم جحدوه وتركوا العمل به , وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم . ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحس ; ويمثل عملهم بحركة مادية متخيلة , تصور هذا التصرف تصويرا بشعا زريا , ينضح بالكنود والجحود , ويتسم بالغلظة والحماقة , ويفيض بسوء الأدب والقحة ; ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة . حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور . .

الدرس الحادي عشر:102 - 103 اليهود والسحر وقصة هاروت وماروت

ثم ماذا ? ماذا بعد أن نبذوا كتاب الله المصدق لما معهم ? ? ألعلهم قد لاذوا بما هو خير منه ? ألعلهم قد لجأوا إلى حق لا شبهة فيه ? ألعلهم قد استمسكوا بكتابهم الذي جاء القرآن يصدقه ? كلا . . لا شيء من هذا كله . إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ليجروا خلف أساطير غامضة لا تستند إلى حقيقة ثابتة .

(واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان , وما كفر سليمان , ولكن الشياطين كفروا . يعلمون الناس السحر , وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت . وما يعلمان من أحد حتى يقولا:إنما نحن فتنة فلا تكفر . فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه - وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله - ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم . ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق , ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون . ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون). .

لقد تركوا ما أنزل الله مصدقا لما معهم ; وراحوا يتتبعون ما يقصه الشياطين عن عهد سليمان , وما يضللون به الناس من دعاوى مكذوبة عن سليمان , إذ يقولون:إنه كان ساحرا , وإنه سخر ما سخر عن طريق السحر الذي كان يعلمه ويستخدمه .

والقرآن ينفي عن سليمان - عليه السلام - أنه كان ساحرا , فيقول:

(وما كفر سليمان).

فكأنه يعد السحر واستخدامه كفرا ينفيه عن سليمان - عليه السلام - ويثبته للشياطين:

(ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر). .

ثم ينفي أن السحر منزل من عند الله على الملكين:هاروت وماروت . اللذين كان مقرهما بابل:

(وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت). .

ويبدو أنه كانت هناك قصة معروفة عنهما , وكان اليهود أو الشياطين يدعون أنهما كانا يعرفان السحر ويعلمانه للناس , ويزعمان أن هذا السحر أنزل عليهما ! فنفى القرآن هذه الفرية أيضا . فرية تنزيل السحر على الملكين .

ثم يبين الحقيقة , وهي أن هذين الملكين كانا هناك فتنة وابتلاء للناس لحكمة مغيبة . وأنهما كانا يقولان لكل من يجيء اليهما , طالبا منهما أن يعلماه السحر:

(وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر). .

ومرة أخرى نجد القرآن يعتبر السحر وتعلمه واستخدامه كفرا ; ويذكر هذا على لسان الملكين:هاروتوماروت .

وقد كان بعض الناس يصر على تعلم السحر منهما , على الرغم من تحذيره وتبصيره . وعندئذ تحق الفتنة على بعض المفتونين:

(فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه). .

وهو الأذى والشر الذي حذرهم منه الملكان . .

وهنا يبادر القرآن فيقرر كلية التصور الإسلامي الأساسية , وهي أنه لا يقع شيء في هذا الوجود إلا بإذن الله:

(وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله). .

فبإذن الله تفعل الأسباب فعلها وتنشىء آثارها وتحقق نتائجها . . وهذه قاعدة كلية في التصور لا بد من وضوحها في ضمير المؤمن تماما . وأقرب ما يمثل هذه القاعدة في مثل هذا المقام , أنك إذا عرضت يدك للنار فإنها تحترق . ولكن هذا الاحتراق لا يكون إلا بإذن الله . فالله هو الذي أودع النار خاصية الحرق وأودع يدك خاصية الاحتراق بها . وهو قادر على أن يوقف هذه الخاصية حين لا يأذن لحكمة خاصة يريدها ; كما وقع لإبراهيم - عليه السلام - وكذلك هذا السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه , ينشىء هذا الأثر بإذن الله . وهو قادر على أن يوقف هذه الخاصية فيه حين لا يأذن لحكمة خاصة يريدها . . وهكذا بقية ما نتعارف عليه بأنه مؤثرات وآثار . . كل مؤثر مودع خاصية التأثير بإذن الله , فهو يعمل بهذا الإذن , ويمكن أن يوقف مفعوله كما أعطاه هذا المفعول حين يشاء . .

ثم يقرر القرآن حقيقة ما يتعلمون , وما يفرقون به بين المرء وزوجه . . إنه شر عليهم هم أنفسهم لا خير:

(ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم). .

ويكفي أن يكون هذا الشر هو الكفر ليكون ضرا خالصا لا نفع فيه !

(ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق). .

ولقد علموا أن الذي يشتريه لا نصيب له في الآخرة , فهو حين يختاره ويشتريه يفقد كل رصيد له في الآخرة وكل نصيب . .

فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم لو كانوا يعلمون حقيقة الصفقة:

(ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون). .

(ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون). .

وينطبق هذا القول على الذين كانوا يتعلمون السحر من الملكين ببابل , وعلى الذين يتبعون ما تقصه الشياطين عن عهد سليمان وملكه , وهم اليهود الذين ينبذون كتاب الله وراءهم ظهريا , ويتبعون هذا الباطل وهذا الشر الذميم .

تعقيب على قصة هاروت وماروت

وبعد فلا بد من كلمة هنا عن السحر , وعما يفرق بين المرء وزوجه , مما كان أولئك اليهود يجرون خلفه , ويتركون كتاب الله وراء ظهورهم من أجله . .

إنه ما يزال مشاهدا في كل وقت أن بعض الناس يملكون خصائص لم يكشف العلم عن كنهها بعد . لقدسمي بعضها بأسماء ولكنه لم يحدد كنهها ولا طرائقها ! . . هذا "التيليبياثي" - التخاطر عن بعد - ما هو ? وكيف يتم ? كيف يملك إنسان أن يدعو إنسانا على أبعاد وفواصل لا يصل إليها صوت الإنسان في العادة ولا بصره , فيتلقى عنه , دون أن تقف بينهما الفواصل والأبعاد ?

وهذا التنويم المغنطيسي ما هو وكيف يتم ? كيف يقع أن تسيطر إرادة على إرادة , وأن يتصل فكر بفكر , فإذا أحدهما يوحي إلى الآخر , وإذا أحدهما يتلقى عن الآخر , كأنما يقرأ من كتاب مفتوح ?

إن كل ما استطاع العلم أن يقوله إلى اليوم في هذه القوى التي اعترف بها , هو أن أعطاها أسماء ! ولكنه لم يقل قط:ما هي ? ولم يقل قط كيف تتم ?

وثمة أمور كثيرة أخرى يماري فيها العلم . إما لأنه لم يجمع منها مشاهدات كافية للاعتراف بها ; وإما لأنه لم يهتد إلى وسيلة تدخلها في نطاق تجاربه . هذه الأحلام التنبئية - وفرويد الذي يحاول إنكار كل قوة روحية لم يستطع إنكار وجودها - كيف أرى رؤيا عن مستقبل مجهول , ثم إذا هذه النبوءة تصدق في الواقع بعد حين ? وهذه الأحاسيس الخفية التي ليس لها اسم بعد . كيف أحس أن أمرا ما سيحدث بعد قليل أو أن شخصا ما قادم بعد قليل ; ثم يحدث ما توقعت على نحو من الأنحاء !

إنه من المكابرة في الواقع أن يقف إنسان لينفي ببساطة مثل هذه القوى المجهولة في الكائن البشري , لمجرد أن العلم لم يهتد بعد إلى وسيلة يجرب بها هذه القوى .

وليس معنى هذا هو التسليم بكل خرافة , والجري وراء كل أسطورة . . إنما الأسلم والأحوط أن يقف العقل الإنساني أمام هذه المجاهيل موقفا مرنا . . لا ينفي على الإطلاق ولا يثبت على الإطلاق , حتى يتمكن بوسائله المتاحة له بعد ارتقاء هذه الوسائل من إدراك ما يعجز الآن عن إدراكه ; أو يسلم بأن في الأمر شيئا فوق طاقته , ويعرف حدوده , ويحسب للمجهول في هذا الكون حسابه . .

السحر من قبيل هذه الأمور . وتعليم الشياطين للناس من قبيل هذه الأمور . وقد تكون صورة من صورة:القدرة على الإيحاء والتأثير , إما في الحواس والأفكار , وإما في الأشياء والأجسام . . وإن كان السحر الذي ذكر القرآن وقوعه من سحرة فرعون كان مجرد تخييل لا حقيقة له: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)- ولا مانع أن يكون مثل هذا التأثير وسيلة للتفريق بين المرء وزوجه , وبين الصديق وصديقه . فالانفعالات تنشأ من التأثرات . وإن كانت الوسائل والآثار , والأسباب والمسببات , لا تقع كلها إلا بإذن الله , على النحو الذي أسلفنا .

أما من هما الملكان:هاروت وماروت ? ومتى كانا ببابل ? فإن قصتهما كانت متعارفة بين اليهود . بدليل أنهم لم يكذبوا هذه الإشارة ولم يعترضوا عليها . وقد وردت في القرآن الكريم إشارات مجملة لبعض الأحداث التي كانت معروفة عند المخاطبين بها ; وكان في ذلك الإجمال كفاية لأداء الغرض , ولم يكن هنالك ما يدعو إلى تفصيل أكثر . لأن هذا التفصيل ليس هو المقصود .

ولا أحب أن نجري نحن - في ظلال القرآن - خلف الأساطير الكثيرة التي وردت حول قصة الملكين . فليست هنالك رواية واحدة محققة يوثق بها .

ولقد مضى في تاريخ البشرية من الآيات والابتلاءات ما يناسب حالتها وإدراكها في كل طور من أطوارها . فإذا جاء الاختيار في صورة ملكين - أو في صورة رجلين طيبين كالملائكة - فليس هذا غريبا ولا شاذا بالقياس إلى شتى الصور وشتى الابتلاءات الخارقة , التي مرت بها البشرية وهي تحبو , وهي تخطو , وهي تقفو

 

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)

أشعة الشعلة الإلهية المنيرة في غياهب الليل البهيم !

والمفهومات الواضحة المحكمة في هذه الآيات تغني عن السعي وراء المتشابه فيها بالقياس إلينا بعد ذلك الزمن المديد . وحسبنا أن نعلم منها ضلال بني إسرائيل في جريهم وراء الأساطير , ونبذهم كتاب الله المستيقن , وأن نعرف أن السحر من عمل الشيطان ; وأنه من ثم كفر يدان به الإنسان , ويفقد به في الآخرة كل نصيب وكل رصيد .



 

تعليقات